سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

في ماهية الشرق والغرب (1)

صلاح الدين مسلم

تكمن الأهميّة في إدراك ماهيّة الزمان لِتحليل الماضي والحاضر، وذلك لإدراك المستقبل الذي يعتبر جزءاً من الزمان الذي هو بأيدينا، فالذي يبني بيتاً يعرف أنّه سيسكن فيه، على سبيل المثال، وما التخطيط الجيد للماضي والحاضر إلّا تعريف لنا بالمستقبل، وهناك إدراك آخر علينا امتلاكه؛ وهو إدراك المكان، فالمكان أيضاً يفرض علينا أن نقوم ببحث دؤوب في أصغر بقعة نعيش فيها، ابتداءً من ماهيّة النفس والذات والجسد وأصغر أسرة وصولاً إلى إدراك الكون برمّته، فدراسة التربة جيّداً تفيدنا في عمليّة بناء هذا البيت الذي سنسكنه كما تحدّثنا عن ذاك المثال، فدراسة الشرق الأوسط تقتضي فهم هذه البقعة كجغرافيا مكانيّة، وفهم الزمان والتاريخ، ولماذا كانت منبع الحضارات ومنطلقها؟ لماذا انطلق الزمان من هنا؟ وماذا كان يفعل الغرب حينها؟ وما هو الشرق بالنسبة للغرب وما الغرب بالنسبة للشرق؟ فبدلاً عن التمازج الثقافيّ تحوّل هذا الفسيفساء الشرق أوسطيّ إلى صراع الهيمنة ورفضها أو قبولها، أين نجحت الحضارة الغربيّة وأين فشلت؟ لابدّ أنّ التمازج الثقافي مفيد للشعوب لا محالة، لكن الهيمنة هي التي تلاقي الرفض فتنتج الكوارث البشريّة والحروب، هل استطاعت الحضارة الغربيّة تحليل الشرق؟ هل نستطيع تحليل الشرق من وجهة تاريخ الغرب؟

من المحال أن نفهم مكاننا وزماننا دون معرفة الفكرة الغربيّة التي هبّ غبارها الذريّ على ثقافة الشرق النائم عبر صولات الغزالي في تحريم التفكير وبين مطرقة وسندان استبداد العثمانيين الذين لم يكن لهم همّ سوى همّ شهوة المال والسلطة والحريم، مع أنّ ثقافة الشرق هي التي قد أنتجت ثقافة الغرب سابقاً، وقد استفاد الغرب من السومريين والبابليين والأكاديين…. لكنّ المشكلة في القولبيّة الغربيّة التي تشابه قولبيّة الغزالي، فقد وصل الغرب إلى قناعة أنّهم العالم الأوّل، وبات الغرب من هذه الانطلاقة الدوغمائيّة الفجّة بدوره يريد قولبة الشرق حسب مقاسه الغربيّ.

بما أنّ العالم قد أصبح قرية صغيرة بفضل الغزوّ الثقافيّ للعالم، ففي المحصّلة لا نستطيع فهم أيّة قضيّة مجتمعيّة دون معرفة الزمان والمكان، وقد انصبّت دراستنا للشرق الأوسط من خلال فهم هذه الوضعيّة الليبراليّة العلميّة الغربيّة التي تريد أن تحشر أنفها في كلّ صغيرة وكبيرة في العالم، وفهم هذا الشرق الأوسط موطن الحضارات والعلوم والفلسفات والأديان والميثولوجيات، وموطن الدولة التي تسرّبت إلى عروق الغرب أيضاً، في الوقت الذي آثر فيه الشرق التخلّص من الدولة ظهرت الحداثة الرأسماليّة منقطعة السلالة، لتجعل من الدولة القوميّة السلاح الأيديولوجيّ الفكريّ الذي ابتلي به الشرق الأوسط أيضاً.

لقد أضحت المجتمعات الغربيّة بنفسها تعاني من رجس الدولة القوميّة مع أنّها نتاج غربيّ، لقد باتت الشعوب في الغرب الروبوتيّ تريد أن تتخلّص من هذه الفكرة القولبيّة التي تعيق الإنسان من العيش بحرّيّة وعدالة، وإن لم تضع يدها على الجرح مباشرة، لكن ظهرت العلامات التي رفضت هذه الحداثة من خلال الصراع بين الأنارشيين وبين القولبيين، ومن هنا كانت الدراسات حول نشأة هذه الحداثة الرأسماليّة والبحث عن الحلول للحدّ من تغوّلها في مسامات العالم من خلال فائض الإنتاج الذي يزيد الهوّة بين الطبقات، والصناعويّة التي تدمّر البيئة، والدولة القوميّة دولة اللون الواحد.