سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

تهويدة النوم؛ ترنيمة تخاطب بها الأم وليدها..

تردد الأمهات قديماً في المجتمعات أغاني المِهاد التي تُهدهِد الطفل، وتساعده على الاسترخاء، والنوم، وتحمّل هذه الأغاني كلمات ذات بُعدٍ رمزي.
تؤدي الأم لحنها ذي الطابع الفني الموروث بصوت هادئ، فتصور واقعها الاجتماعي، ووضعها النفسي، وتتغنى بأمومتها، وتختلف هذه الأغاني من منطقة إلى أخرى خاصةً في الكلمات، ولكنها تشترك في ما تحمله من فوائد للطفل ورثتها أمهات اليوم عن أمهات الماضي.
التهويدة، أو التهليلة، أو الهدهدة، أو الليلوة هي أغنية هادئة رقيقة تغنّيها، وترددها الأمّ لتُشجِّع طفلها على النوم، وتعتمد هذه الأغنية على التكرار، والإيقاع البسيط والكلام الذي يجذب خيال الأطفال، وكثيراً ما تكون سهلة، ومتكررةَ الكلمات كي تجري على الألسنة بسهولة.
تعود لخمسة آلاف سنة..
عثر على أول تهويدة في سومر جنوب العراق، ولم تكن واحدة، وإنما مجموعة من التهويدات، ولوحظ من خلال هذه التهويدات بأن الأم السومرية كانت لا تخاطب طفلها كما جرت العادة، وإنما في الغالب تخاطب سلطان النوم وتتوسل إليه أن يزور عيني ابنها أو ابنتها، أملاً في النوم الهادئ، كما كُتب في هذه التهويدة التي يرجع تاريخها إلى نحو خمسة آلاف سنة. تترنم الأم فتتوسل للنوم وتقول:
تعال يا نوم تعال أيها النوم
تعال إلى حيث تجد طفلي راقدًا
أُسرع أيها النوم وزرنا حيث يهجع ولدي
دعه يغلق عينيه اليقظتين
ضع يدك على عينيه المكحلتين
وبالنسبة للسانه الذي لا ينقطع من التصويت
فأمسك به ولا تدعه يوقظ العينين
وهي حاضرة بقوة في مجتمعنا من الأجداد، حيث تتوارث النساء الأناشيد التي تلقيها الأمهات على مسامع الأطفال عند النوم.
تحول التهويدة لهجاء..
لكن بحكم القيود التي فُرِضَت على المرأة، والاضطهاد الذي عانت منه تحولت التهويدة إلى هجاءٍ لمن يمارس العنف ضدها.
تعددت، وتنوعت تلك الأناشيد، والأشعار تبعاً لاختلاف المناطق، وظروفها اشتهرت حديثاً في بلاد الرافدين تهويدة تحوي في كلماتها عتاباً، وازدراءً لما تقاسيه المرأة من مشاكل كالزواج بالإكراه، وهو أحد أطياف الزواج المبكر.
واضح من خلال هذا المثل الأخير أنّ الأمّ بقدر ما تروِّح عن طفلها، فهي تروِّح عن نفسها، وتسكّن من أوجاعها، وما أكثر أغاني المهد التي تعبّر عن مشقَّةِ الأمومة، ومعاناة المرأة في المجتمعات التقليديّة التي لا يتّسع المقام لذكرها.