سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

تقارب بين واشنطن وأنقرة في الشمال وتباعد مع موسكو في إدلب

إبراهيم حميدي/ صحيفة الشرق الأوسط –

ظهرت شقوق في الاتفاق التركي -الروسي حول منطقة «خفض التصعيد» في شمال شرقي سوريا مع تقدم التفاهمات العسكرية التركية -الأميركية لإقامة ما تسمى بالمنطقة الآمنة شمال شرقي سوريا، وحصل ما كان يعتقد بوجود ترابط عضوي بين المنطقتين اللتين يخترقهما طريق «إم 4»، بحيث تعزز تحول الأراضي السورية مسرحاً لمقايضات استراتيجية بين واشنطن وموسكو وأنقرة تخص الشرق الأوسط و«حلف شمال الأطلسي».
وأكدت مصادر دبلوماسية غربية حصول «تفاهمات» بين الجانبين الأميركي والتركي إزاء “شرق الفرات” كانت بمثابة «ترتيبات عسكرية» لا تصل إلى حد الاتفاق على «منطقة آمنة» واضحة المعالم، لكن هذه «الآلية» مفتوحة لتصل إلى حدود الاتفاق الكامل مع توسع نطاقها بعد زوال الكثير من نقاط الغموض في الترتيبات والعلاقات الثنائية بين واشنطن وأنقرة. الفجوة كانت واسعة بين الموقفين إزاء شمال شرقي سوريا من الاتصال الهاتفي بين الرئيسين دونالد ترامب ورجب طيب أردوغان أنقرة أرادت «منطقة آمنة» تمتد نحو 460 كلم من جرابلس على نهر الفرات إلى فش خابور على نهر دجلة وبعمق وسطي قدره 32 كلم، بحيث تكون خالية من «وحدات حماية الشعب» وسلاحها الثقيل وتكون بحماية عسكرية تركية مع تشكيل مجالس محلية ما يسمح بعودة اللاجئين السوريين حسب أنقرة، واشنطن، أبدت الاستعداد لإقامة منطقة بعمق 5 – 14 كلم تكون محصورة الانتشار بحيث لا تصل أكثر من مائة كلم، مع إبعاد «الوحدات» والسلاح الثقيل والبحث في موضوع المجالس المحلية، إضافة إلى أن تكون حماية المنطقة أميركية.
ما هي الترتيبات والتفاهمات
بحسب المصادر الدبلوماسية المُطّلعة على مضمون التفاهمات والخرائط، فإن المحادثات التي جرت واستمرت ثلاثة أيام كانت على وشك الانهيار قبل تدخل وزيري الدفاع خلوصي أكار ومارك إسبر لإنقاذها والتوصل إلى تفاهمات تبدأ بتشكيل «مركز عمليات مشترك» جنوب تركيا. وأوضحت المصادر، أن التفاهمات نصت على التالي:
1-إقامة ترتيبات عسكرية (تسمية أميركية جديدة للمنطقة الآمنة) بطول 70- 80 كلم بين مدينتي رأس العين وتل أبيض في محاذاة الحدود السورية – التركية وبعمق بين 5 و14 كلم.
2-تسيير دوريات أميركية عسكرية، وكي يتم ذلك لا بد من تشكيل مركز عمليات مشترك جنوب تركيا.
3-ترتيبات عسكرية بحتة لا تتضمن أي إطار له علاقة بالحكم المحلي ولا علاقة لها بالتحالف الدولي ضد «داعش».
4-وحدات حماية الشعب تتموضع على بعد خمسة كيلومترات من هذه المنطقة.
5-إبعاد السلاح الثقيل مسافة 20 كلم من حدود تركيا في المنطقة المحددة.
6-تسيير طائرات استطلاع من دون طيار، للتحقق من ذلك وتبادل المعلومات.
وكما هو معلوم فإن تركيا لم تحقق ما أرادته؛ لأنها طالبت بأن يكون عمق الترتيبات إلى «إم 4» شرق الفرات، ولا تزال هناك أمور «غير معروفة وغير متفق عليها» سيجري التفاوض في شأنها بعد إنجاز المرحلة الأولى كما قيل، لكن الجانب الأميركي وضع «خطاً أحمر واضحاً، وهو حماية (قوات سوريا الديمقراطية) وعدم الاقتراب منها، إضافة إلى تعهد واشنطن بالحصول على موافقتها على أي خطوة إضافية بشأن ذلك، وأوضحت المصادر أن أردوغان رفض ربط الملفين شرقي الفرات وعفرين.
ويعتقد المسؤولون الأميركيون أنه بهذه «التفاهمات» حققوا هدفهم العاجل المتمثل بتأجيل خطة أردوغان بدء عملية عسكرية ضد وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية في “شرق الفرات”، بسبب قلق واشنطن من انعكاس ذلك على مصير الحرب ضد خلايا «داعش» والوضع الإنساني وبرامج الاستقرار في المنطقة. عليه، فإن البرنامج الأميركي «يو إس ستارت» سيستمر لدعم الاستقرار وسط خطط لتوفير موازنة تزيد على 300 مليون دولار أميركي سنوياً، ولم يمانع الجانب الأميركي عودة طوعية للاجئين سوريين إلى مناطق في المنطقة الخاضعة للترتيبات العسكرية، لكن كان واضحاً رفض واشنطن الدخول في مفاوضات مع أنقرة حول موضوع الإدارة الذاتية والحكم المحلي والمجالس المدنية “شرق الفرات”، ذلك أن الجانب الأميركي يعتقد أن أوضاع المجلس المحلية تحسنت في مناطق شرق الفرات وصولاً إلى دير الزور وباتت أكثر تمثيلاً للسكان المحليين.
ولوحظ أن التفاهمات بين وزيري الدفاع الأميركي والتركي، قوبلت بتحفظات من وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو الذي قال: «يجب أن يكون الأميركيون أولاً صادقين، ويجب أن يفهموا أن تركيا لن تتحمل أي أساليب تأخير». وقالت المصادر، إن تشاويش أوغلو قلق من تكرار واشنطن لسيناريو خطة منبج والبطء في تنفيذها لـ«شراء الوقت وتمييع البرنامج الزمني. جاء ذلك مع اتخاذ خطوات ملموسة، بينها إقامة المركز المشترك بعد وصول وفد عسكري أميركي بقيادة الجنرال ستيفن تويتي نائب القيادة الأميركية الأوروبية إلى محافظة سانيلورفا جنوب شرقي البلاد، وتسيير طائرات استطلاع تركية كان بمثابة خطوات ملموسة، ويقول خبير تركي: “هناك فرق بالمقاربتين: تركيا تريد حماية نفسها من الوحدات الكردية، أما أمريكا تريد حماية وحدات الشعب من تركيا، لذلك هناك صعوبة في تنفيذ التفاهمات”.
موقف روسيا ومخاوفها
تبلغت موسكو أن المحادثات الأميركية -التركية لم تتضمن إقامة منطقة حظر جوي شمال شرقي سوريا، لكن الجانب الروسي حاول الإفادة من تلك التفاهمات عبر دعم فتح أقنية بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق والإشارة إلى المخاوف الكردية من الأميركيين، كما سعى الجيش الروسي إلى دعم قوات النظام السوري في عملياتها العسكرية لقضم منطقة «خفض التصعيد» شمال غربي سوريا ما هدد اتفاق سوتشي بين الرئيسين فلاديمير بوتين وأردوغان. كانت أنقرة وواشنطن تبلغتا من موسكو نيتها دعم «عملية محدودة» تتضمن «حماية» مناطق شمال حماة بينها محردة وقاعدة حميميم في ريف اللاذقية، إضافة إلى قضم «المنطقة العازلة» بعد رفض «هيئة تحرير الشام» الانسحاب الكامل من شريط «المنطقة العازلة» بعمق 20 كلم وإخلاء السلاح الثقيل، ثم العمل بتفاهمات مع أنقرة لفتح طريقي إم 4 وإم 5.
لكن التفاهمات الأميركية -التركية شمال شرقي سوريا قابلتها موسكو بتجاهل وقف النار وتشجيع دمشق على تحدي اتفاق بوتين -أردوغان وتقديم غطاء جوي وسلاح نوعي لقوات النظام السوري؛ الأمر الذي أدى إلى توتر روسي -تركي في الغرف المغلقة وقبل القمة الروسية -التركية -الإيرانية في الحادي عشر من الشهر المقبل. وقال خبير تركي، إن أنقرة «رسمت خطوطاً لموسكو وقالت إنها لن تسمح للنظام بعبورها، وأن خطوط اتفاق سوتشي هي آخر ما يمكن لأردوغان قبوله»، وتمت ترجمة عملية ذلك عبر دعم عسكري للفصائل وتقديم ذخيرة وسلاح ومعلومات أمنية، ما عقّد المشهد بشكل كبير في إدلب وحولها. وفي الأيام الماضية كان هناك تعبيراً ملموساً عن الوضع الجديد بين موسكو وأنقرة؛ إذ أرسل الجيش التركي رتلاً عسكرياً ضم قرابة 50 آلية من مصفّحات وناقلات جند وعربات لوجستية، بالإضافة إلى خمس دبابات على الأقل، لكنها تعرّضت لقصف جوي سوري أثناء وصولها إلى مدينة معرة النعمان الواقعة على بعد 15 كلم شمال خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي.
وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» عن استهداف طائرة شاحنة صغيرة تابعة للفصائل المعارضة كانت تستطلع الطريق أمام الرتل التركي عند الأطراف الشمالية لمعرة النعمان؛ ما تسبب بمقتل أحد المرتزقة من فصيل «فيلق الشام» السوري المدعوم من تركيا، ولدى وصوله إلى وسط معرة النعمان، نفّذت طائرات سورية وأخرى روسية ضربات على أطراف المدينة، في محاولة لمنع الرتل من التقدّم. ونقلت وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا) عن مصدر رسمي في وزارة الخارجية تنديده بدخول «آليات تركية محمّلة بالذخائر في طريقها إلى خان شيخون لنجدة الإرهابيين المهزومين من (جبهة النصرة)»، معتبراً هذا السلوك العدواني (التركي) لن يؤثر بأي شكل على عزيمة وإصرار الجيش على مطاردة فلول الإرهابيين في خان شيخون وغيرها من المناطق.
من جهتها، قالت وزارة الدفاع التركية: على الرغم من التحذيرات المتكررة التي وجهناها إلى سلطات روسيا الاتحادية، تستمر العمليات العسكرية التي تقوم بها قوات النظام في منطقة إدلب في انتهاك للمذكرات والاتفاقات القائمة مع روسيا، لكن موسكو اتهمت أنقرة بخرق اتفاق سوتشي، مؤكدة أنها لن تسمح ببقاء الإرهاب في تلك المناطق حسب موسكو، بدا واضحاً من التطورات الميدانية وجود خلاف بين عرّابي اتفاق سوتشي مع اقتراب عرّابي «المنطقة الأمنة» من التفاهم، وقال مصدر دبلوماسي، إن أنقرة تريد إرسال إشارة إلى الفصائل أنه ليس هناك تفاهم روسي – تركي لتسليم إدلب للنظام كما حصل في جنوب سوريا وغوطة دمشق، وأن الجيش التركي ليس بصدد سحب نقاطه، بل عززها بالدبابات لتأكيد عدم استعداد أنقرة لأن يتم تهديد أمن نقاطها العسكرية أو يصبح مصيرهم تحت رحمة النظام وروسيا، ولنرى ما سيحدث هناك في الأيام القادمة.