نساء الشرق نحو التاريخ…

70
دلال جان –

إن تاريخ الحركات النسائية تاريخ طويل بالنضال والمقاومة، ويستند في جوهره إلى طرح قضايا ومشاكل المرأة في جميع المجتمعات وتطالب بحقوق المرأة في كافة المجالات ومساواتها مع الرجل، ويقوم على النقد الدائم والمستمر للذهنية التعصبية الذكورية وللعادات والتقاليد المجتمع البالية التي تحط من كرامة المرأة، ويحمل قدراً كبيراً من المعارضة للنظام الرأسمالي الذي استغل المرأة بشكلٍ كبير، وتكريسها لأدوار اجتماعية معينة في الحياة باستغلال صورة جسدها للفت انتباه الرجل بسلعة للبيع والشراء أو تجارة معينة على لوحات الإعلانات في الشوارع والمطاعم ومحطات الوقود والمصانع والشركات، وقد شهد التاريخ قيام العديد من الحركات النسوية في العالم والتي طالبت بحقوق المرأة وترجع تاريخ تأسيسها على موجات متتالية، تمثل الموجة النسوية الأولى وفقاً لعلم الأنساب النسوية والتسلسل الزمني للدراسات الأوروبية، حيث بدأت في القرن الثامن عشر الجدل حول طبيعة المرأة والتسلسل الهرمي بين الجنسين، والتي سميت أيضاً بالجدل النسوي، ظهرت النسوية باعتبارها استخدمت خطاباً نقدياً جديداً في التصنيفات الفلسفية المعاصرة في ذلك الوقت، استخدمت فكر بعض الكتّاب والمؤلفين مثل جان جاك روسو لتدعم هذه المزاعم، ووفقًا للدراسات الأمريكية فإن الموجة النسوية الأولى من حركة تحرير المرأة في الولايات المتحدة الأمريكية وإنكلترا تشير إلى فترة نشاط نسوية امتدت على مدار القرن التاسع عشر حتى بدايات القرن العشرين، والتي أُطلق عليها أيضًا النسوية الليبرالية المنادي بمنح المرأة حق الاقتراع التي ركزت على حق المرأة في الاقتراع والتعليم، واتبعتها الموجة النسوية الثانية، حيث تشير الموجة النسوية الثانية من حركة تحرير المرأة في الولايات المتحدة الأمريكية إلى فترة نشاط نسوية بدأت مع بدايات عقد الستينات من القرن العشرين واستمرت حتى نهاية السبعينات من القرن ذاته، شأنها شأن الموجة النسوية الأولى التي كافحت من أجل حصول المرأة على حق التصويت، ارتكزت الموجة الثانية بشكل أساسي على التغلب على العقبات القانونية وصولاً إلى المساواة والمطالبة بحق المرأة في الاقتراع وحقوق الملكية، إلا أنها كانت ذات نطاق أوسع وذات تنوع في القضايا والموضوعات مثل عدم المساواة غير الرسمية والجنس والأسرة والعمل والخلاص من التمييز القانوني تبعاً للجنس والحقوق الإنجابية، ومحاولة إضافة تعديلات في المساواة في الحقوق في دستور الولايات المتحدة، ويرتبط أوج فترة الموجة الثانية بصدور كتاب كيت ميليت عن السياسات الجنسية السياسة الجنسية عام 1969، إلا أن العديد من الأفكار التي أثرت على الموجة الثانية، والأفكار التي سعت بعض النسويات لمواجهتها وتحديها، يمكن تتبع أصولها إلى كتاب سيمون دي بوفوار عن الجنس الآخر عام 1949، وفي كتاب الغموض الأنثوي عام 1963 لبيتي فريدان.  
يشير مصطلح الموجة النسوية الثالثة في حركة تحرير المرأة إلى فترة نشاط نسوية، امتدت من بدايات التسعينات من القرن العشرين واستمرت حتى الوقت الحالي، ظهرت كردة فعل على فشل ما سُمي بالموجة النسوية الثانية، والتي ارتكزت بشكل أساسي على التغلب على العقبات القانونية وصولًا إلى المساواة والمطالبة بحق المرأة في الاقتراع وحقوق الملكية، وارتأت الموجة الثالثة وجود أكثر من نموذج أنثوي وفقًا للأوضاع الاجتماعية والعرقية والجنسيات والدين، على عكس الثانية التي اعتقدت بوجود نموذج واحد فقط، تركز الموجة الثالثة على القضايا المتعلقة بالجنس البشري والطبقة الاجتماعية ونوع الجنس، وتتميز بالتعدد والابتعاد عن الأيدلوجية وكسر الاحتكار من قبل أياً كان، وبذلك تختلف عن الموجة الأولى التي منحت المرأة حق الاقتراع وعن الثانية التي كانت تعكس خبرات الشريحة العليا من الطبقة الوسطى للمرأة البيضاء في سعيها لتمكين المرأة الاقتصادي والسياسي، كانت الكاتبة الأمريكية ريبيكا ووكر أول من استخدمت مصطلح الموجة النسوية الثالثة في كتابتها.
أما الموجة النسوية الرابعة هي انبعاث جديد للحركة النسوية منذ عام 2012، عن طريق منصات التواصل الاجتماعي، يهتم بالقضاء على التحرش الجنسي والعنف ضد المرأة وفقاً لتصريح برودنس تشامبرلين الحقوقية النسوية، وتميزت الموجة النسوية بالطابع الإلكتروني، وركزت على قضايا التحرش الجنسي والاغتصاب والقتل والتعذيب والعنف ضد المرأة، حيث كانت فضائح الانتهاكات الجنسية وإيذاء النساء وقتلهن أحد أهم دوافع الموجة الرابعة.
لقد توج النضال التحرري من خلال المراحل التي مر بها إلى أعلى مراحله في روج آفا والشمال السوري، حيث خاضت المرأة أشد وأعنف النضالات من أجل تحررها، وأثبتت قدرتها على أنها المرأة حرة في المجتمع، وذلك من خلال مشاركتها الفعلية والتطبيقية على أرض الواقع، فما جسدته المرأة في روج آفا من إرادة وقرار عبر تنظيماتها ومؤسساتها المختلفة، التي خرجت عن طور التمثيل الشكلي للمرأة، وكانت الحقيقة التي شهدتها نساء العالم أجمع وباعتراف من جمعيات ومنظمات نسائية عالمية، والتي أكدت على أنها المرأة القيادية الحرة التي تقود المجتمع والمرأة، فهي التي استطاعت أن تهزم أشد أعداء الإنسانية هي امرأة روج آفا والشمال السوري، أنها ثمرة فكر وفلسفة القائد أوجلان الذي وضع الطريق الصحيح أمام المرأة من خلال تحليلاته للمرأة والذي بين أهمية دورها وقوتها، وبين بأن السلطة والدولة كانتا دوماً تقفان عائقاً أمام تطور المرأة وتحررها، وبالتالي استغلال المجتمع وهذا ينطلق من استعباد المرأة كخطوة أولى، وهذا ما أدركته المرأة في روج آفا والشمال والشرق السوري وانطلقت نحو تحقيق ذاتها وإرادتها، واستطاعت أن تحقق ما لم تحققه نساء العالم عبر نضالهن الطويل والشاق، فها هي المرأة الحرة في روج آفا والشمال السوري تقود نضال نساء العالم في الحرية والديمقراطية، وبناء مجتمع حر تتحقق فيه المساواة والعدالة الاجتماعية.