هيفي مصطفى.. ذاكرة حاضرة وإرادة قوية!

73
في زيارة سابقة لمدينة عين عيسى “شمال غربي الرقة”، أشارت الرئيسة المشتركة لهيئة الداخلية للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا هيفي مصطفى، لموقع حزب سوريا المستقبل بالقول: “كنت أتمنى لو حملت معي عفرين وحلب”.
نزحت هيفي من حلب إلى عفرين مرة، وهجرت قسراً من عفرين إلى الشهباء أخرى، هيفي مصطفى مواليد حلب 1967. خريجة كلية أهلية التعليم الإعدادي قسم علوم الفيزياء عام 1987. عملت في التدريس لمدة 28 سنة.
عملت بعد نزوحها إلى عفرين، بشكل تطوعي في اتحاد معلمي “غرب كردستان”، قبل أن يتم تعيينها رئيسة مشتركة لمقاطعة عفرين عند تشكيل الإدارة الذاتية عام 2014، وبهذا الخصوص أجرى حزب سوريا المستقبل معها الحوار التالي:
ـ ما مهام هيئة الداخلية للإدارة الذاتية؟
لدى هيئة الداخلية مهام كثيرة تتعلق بحماية وسلامة المواطنين، وحماية الممتلكات، ونشر السلم الأهلي. وكل ما يتعلق بالأمن الداخلي. تتبع لها قوى الأمن الداخلي، ومديرية السجل المدني، ومديريات المواصلات. تنظّم كل شؤون السير، وأمور الآليات.
– لماذا يوجد إدارة مشتركة في الإدارة الذاتية؟
نظام الإدارة المشتركة، نظام حديث طبق في مناطق الإدارة الذاتية. الغاية الأساسية منه عدم التفرد بالسلطة لأي من الجنسين. في الإدارة المشتركة لا يوجد فردية في صناعة القرار، ولا فردية في إقراره ولا في تنفيذه. وهو ما يؤدي إلى نشر الثقافة التشاركية في مجتمعنا الذي يعاني من التفرد والأحادية، وهيمنة الثقافة الذكورية. ولأن نظامنا نظام ديمقراطي، إذن لابد من وجود عدالة ومساواة لكلا الجنسين.
ـ في فترة الأحداث، نزحتي مرة وهُجِّرتي مرة أخرى كيف حصل ذلك؟
أنا ابنة حي الشيخ مقصود، طالبة قبل أن أكون مدرّسة. منطقة ذات أغلبية كردية. لم تكن حاضنة لمرتزقة الجيش الحر الجناح العسكري للمعارضة- في بداية الأحداث، ولا للنظام السوري. لكن مع توالي الأحداث صارت مضرب عصا بين الطرفين. قُصف الحي في 29 آذار عام 2013، خرجنا بما نرتديه من ملابس من منازلنا، أردنا البقاء في حلب عند أصدقائنا وأقاربنا. تم منعنا من ذلك كانت كل الطرق مغلقة، والطريق الوحيد السالك كان باتجاه عفرين.
توجهنا إلى قرية عائلتنا “معبطلي” في عفرين، اجتمعنا 6 عائلات لمدة 4 أشهر في بيت واحد. اعتقدنا بداية أننا عائدون إلى بيوتنا في حلب، عائدون إلى حينا، حيّ الشيخ مقصود. تأزم الوضع كثيراً، وصار من الصعب العودة، فأنشأنا حياة جديدة في مدينتنا الأم.
أنشأنا في عفرين مؤسسات، ووسعنا النشاط الاقتصادي. الأمر الذي خلق ارتياحاً لدى سكان عفرين وأبناءها النازحين من مدن وقرى سوريا المتأزمة، والنازحين السوريين الآخرين. كانت عفرين “سفينة نوح” للإنقاذ. كل من يريد الاستقرار والعمل والأمن والأمان، كان يأتي إلى عفرين، قبل الهجوم الذي شنه الأتراك مع ميليشياتهم السورية.
– كيف تمت عملية التهجير من عفرين؟
عندما تم الهجوم كنت على رأس عملي، كرئيسة مشتركة لمقاطعة عفرين. حاول المعنيين من الإدارة الذاتية بشتى الوسائل، ألا تنجر المنطقة إلى الحرب، لكن يبدو أن قرار الاحتلال كان ساري المفعول. بعد مقاومة 58 يوم اتخذ القرار بإبعاد المدنيين وحمايتهم من مجازر أكبر.
16 آذار عام 2018، لن ننسى هذا التاريخ أبداً. هُجِّر مئات الآلاف من العفرينيين، ونحن منهم. كان هناك طريق وحيد باتجاه قرى شيرا وباسوطة. بعض الأهالي تركوا أولادهم خلفهم في عفرين. قطعنا مسافة 20 كلم في ثلاثة أيام. استشهد الكثير في الطريق، وولد الكثير، كان بين المهجرين والنازحين من المناطق الأخرى لحلب الكثير من الحوامل. مع نقص كبير في الطعام والماء والدواء، وبوجود الكثير من كبار السن وذوي الحاجات الخاصة.
استقروا في مناطق الشهباء التي تحررت من مرتزقة داعش وأخواتها. كانت منطقة عسكرية غير مخدّمة. لا يوجد مستلزمات للحياة فيها. سكنوا بين طرفي الشهباء،  طرفها من جهة عفرين ميليشيات “درع الفرات”، وطرفها الآخر النظام السوري.
بقي المهجرون فيها لمدة تزيد عن الأسبوع، قبل أن تعيد الإدارة الذاتية هيكلة نفسها من جديد. قمنا بمهام يتطلبها الظرف الصعب. أقمنا مخيمين، مخيم برخدان ومخيم سردم. وتم تأمين بعض البيوت من الألغام، وتنظيف بيوت مهدمة من أجل إسكان بعض المهجرين والنازحين ذوي الحاجات الخاصة. بقيت في عملي حتى تشرين الأول 2018، بعد ذلك رُشحت لاستلام هيئة الداخلية لشمال وشرق سوريا، سلّمت مهامي لزملائي، وغادرت الشهباء متوجهةً إلى مدينة عين عيسى.
– ما الذي تفتقده هيفي في حلب؟
خرجنا من حلب فجأة، لم نودع أحداً.. لم يودّعنا أحد.. أفتقد الجميع.. أفتقد وجوه أصحابي وناسي وجيراني. أفتقد منزلي، ألعاب أطفالي.. دكاكين الحي.. هدوء الصباح.. ضجة المساء.. أفتقد المدارس التي حضنت شبابي.. أفتقد كل هذا الأفق الذي يسرح في ذاكرتي.
– ما الذي تفتقدينه في عفرين؟
أفتقد كل عفرين.. ناسها وخضارها وقلبها الطيب الحنون.. تعرضنا لحوادث مأساوية كبيرة، حوادث تفطر القلب كلما عادت بنا الذاكرة. ضاع من ضاع، وتعثر من تعثر، وفقد من فقد، وتفكّكت عوائل بسبب الطريق الطويل والازدحام الشديد وضياع البوصلة في فترة سابقة. عفرين التي كانت سفينة لإنقاذ النازحين والمهجرين من السوريين، أصبحت هي ذاتها تحتاج الإنقاذ.
حاولنا أن نبني حياة جديدة في عفرين كما قلت، بعد خسارتنا حياتنا، وذكرياتنا في حلب.. حياة جديدة، ومسؤوليات كبيرة، بدأت بطاقة كبيرة ومساحة أمل خضراء واسعة.. صداقات جديدة قديمة، جيران جدد علاقات جديدة. للأسف كان الزحف التركي الأسود قاسي ومؤلم. وكانت المواقف الدولية بائسة، وكان موقف الحكومة السورية سيئاً. عفرين أرض سورية.