سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

جبران خليل جبران.. أجنحة لم تنكسر

جبران خليل جبران اسم طالما ذكر في كل مرة كان الحديث فيها عن الفكر الفلسفي والإبداعي الأدبي والوجداني الذي ترك فيه جبران بصمته، وكان من أبرز ممن كتبوا في هذه المجالات وباللغتين العربية والإنكليزية، وكان بحق من أبرز شعراء القرن العشرين في المهجر ولبنان.
ولد جبران في بلدة بشرى بشمال لبنان عام 1883، وتمكن من تحقيق نجاح كبير واسم لامع في دنيا الشعر وكانت له إلى جانب إبداعاته منقطعة النظير هوايات وأعمال متميزة في الفكر الفلسفي والوجدانيات والرسم وعرف كفنان تشكيلي من الطراز الأول.
ولادة جبران كانت بكنف عائلة مسيحية، وذاق منذ نعومة أظافره كل أنواع الفقر والقهر؛ حيث كان والده من المهملين لشأن أسرهم وأولادهم وعوائلهم، وقد كان يعمل في عد الأغنام ولكنه اتهم بالاختلاس وفرضت عليه الإقامة الجبرية، وهو ما اضطر والدة جبران أن تترك وطنها وتفر بأولادها إلى مدينة بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية، وفقاً لما جاء بكتاب “أروع ما كتب جبران خليل جبران”.
والدة جبران بروحها الرافضة للواقع المزري وشخصيتها القوية والحكيمة أثرت فيه وكونت لديه انطباعات وردود فعل مفصلية في حياته وأدبه ومجمل كتاباته، وكان لها بالغ الأثر في تكوينه الشخصي، حتى أنه وصفها في إحدى رسائله إلى مي زيادة بقوله: “كانت محبوبة في محيطها، ما عهدتها في أدنى درجاتها أقل من شقيقة وفي أعلى درجاتها أقل من سيدة، لقد أفهمتني وأنا في بعد في الثالثة أن الرابطة بيننا هي كما الصديقين، رابطة حب متبادل، وأننا كائنان مستقلان جمعتهما يد الحياة الشريفة، فهي أعجب كائن عرفته في حياتي”.
اتجه جبران إلى دراسة اللغة الإنجليزية في إحدى المدارس الشعبية، وكان يمتلك موهبة في الرسم حتى لفت نظر إحدى معلماته ومن ثَمّ وجهته إلى أحد أصدقائها من الفنانين، حتى تعرف على عدد من الأدباء والفنانين وبدأ في رسم عدد من أغلفة الكتب ليحصل منها على بعض نفقاته، بينما عملت الوالدة مع شقيقه الأكبر “بطرس” في بوسطن حيث تقيم.
الشعر والرسم والتميز المبكر
كان جبران شديد التعلق بوطنه لبنان، ورغب في استكمال دراسته في وطنه باللغة العربية التي شغفته حباً، حتى ساعدته أمه في العودة إلى لبنان عام 1989، ليلتحق بمدرسة الحكمة التي درس بها آداب اللغة العربية.
كانت طفولة جبران مرحلة مميزة في حياته؛ إذ كان يتمتع بالكثير من الطموح ولم يكن ليرضى بالأشياء التقليدية، يقول الخوري يوسف الحداد؛ وهو أستاذ البيان لجبران، أن جبران جاءه ذات مرة يشكو إليه وضعه في الصف الابتدائي، بالرغم من إتقانه للغة الإنجليزية وتميزه في الرسم، حتى قال له معلمه “السلم لا بد أن يرقى درجة درجة”، ليفاجئه جبران بقوله “ولكن هل يجهل الأستاذ أن الطائر لا ينتظر السلم في طيرانه”.
كما كان كثير الاطلاع والقراءة، فقد قرأ في الصغر كليلة ودمنة وديوان المتنبي ونهج البلاغة، كما كان كثير الاهتمام بإتقان التوراة والإنجيل.
أما عن عطلته الصيفية فقد كان يقضيها في بلدته “بشرى”، ولكنه لم يتواصل مع أبيه الذي لم يقدر موهبته وأهمله منذ الطفولة منغمساً في حالة من الفقر والبؤس.
لم يكن جبران طفلاً تقليدياً يميل إلى للهو واللعب، وإنما اتخذ من الكتب رفيقاً لدربه، كما أنه وجد عزاءه في الطبيعة وفي صداقة أستاذه سليم الضاهر، وفي رعاية أحد الوجهاء “طنوس الضاهر”، وهو الذي تنشأ بينه وبين ابنته حلا قصة فيما بعد وربما هي ما ذكرها جبران في كتاب “الأجنحة المتكسرة”.
وفي سن الخامسة عشرة عاد إلى بيروت مع عائلته ودرس في مدرسة إعدادية ومعهد تعليم عالٍ، وأسس مجلة مع أحد زملائه. ولكن الحياة لم تكن لتروق له؛ حيث بقي جبران في بيروت عدة سنوات، وقبل عودته إلى بوسطن توفيت أخته بالسّلّ، وما يلبث أن يمر عام حتى توفي أخوه بالداء ذاته، ولحقت به أمه بعد أن أصيبت بالسرطان، حتى لم يبق لجبران سوى أخته ماريانا.
كان جبران عضوًا في رابطة القلم في نيويورك، المعروفة حينها “بشعراء المهجر” جنبًا إلى جنب مؤلفين لبنانيين مثل أمين الريحاني وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي. اشتهر في المهجر بكتابه النبي الذي صدر سنة  1923، وهو مثال مبكر على “الخيال الملهم” بما في ذلك سلسلة من المقالات الفلسفية المكتوبة في النثر الشعري باللغة الإنجليزية، وحصل الكتاب على مبيعات جيدة على الرغم من الاستقبال الناقد والرائع. عرف أيضاً بالشاعر الأكثر مبيعًا لنتاجاته بعد شكسبير ولاوزي، وقد ترجم كتاب النبي إلى ما يصل إلى 110 لغة، منها الصينية.
كان جبران متفاعلاً مع قضايا عصره معروفاً بشدة عدائه للسلطة الاستعمارية العثمانية، ومواقه الوطنية كانت متميزة كما إبداعاته الفنية والأدبية، وكان دائم الحرص على عدم المساس بالاتجاهات الدينية والمعتقدات، وكثيراً ما كان يصر على توضيح أنه يحترم كل الأديان ويرفض تسييسها، وفي اتجاهاته الأدبية كان يبرز لديه اتجاهان، أحدهما يأخذ بالقوة ويثور على عقائد الدين، والآخر يتتبع الميول ويحب الاستمتاع بالحياة النقية. من أشهر كتبه في العربية: ” نبذة في الفن الموسيقى، عرائس المروج، الأرواح المتمردة، الأجنحة المتكسرة، العواصف، المواكب، آلهة الارض….”، بالإضافة إلى أعمال عديدة بالإنكليزية.
توفي جبران في العاشر من نيسان سنة 1931 في أمريكا، ودفن في مسقط رأسه، في بشري بلبنان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.