سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

مغازلة الأسد لأردوغان… هدف مشترك ينهش الشعب السوري

قامشلو/ دجوار أحمد آغا ـ

الماء عنصر وجودي مثل الهواء، بدونه لا يمكن أن توجد حياة لسائر الكائنات الحية, ومنطقة الشرق الأوسط تُعتبر من المناطق الغنية بالمياه، سواء تلك التي تجري على سطح الأرض، مثل الأنهار والبحيرات والينابيع، أم  المياه الجوفية التي تختزنها الأرض في جوفها.
لكن مسألة تأمين المقادير الكافية من المياه للاستهلاك الشخصي والري وتوليد الطاقة الكهربائية لبعض بلدان الشرق الأوسط مثل سوريا والعراق تُعتبر من أهم المشاكل والقضايا العالقة والتي تتجاوز في طبيعتها المجال المحلي والإقليمي لتصل إلى المجال الدولي، حيث هناك قانون دولي واتفاقات دولية تحدد نسبة وكمية المياه التي يجب أن تُمرر من الدولة التي تنبع الأنهار الدولية من أراضيها إلى الدول الأخرى التي يمر بها النهر.
ماهية المجرى المائي الدولي
نصت المادة الثالثة من اتفاقية لوزان 1923 على ضرورة تشكيل لجنة مشتركة من تركيا وسوريا والعراق مهمتها معالجة المشكلات الخاصة بنهري دجلة والفرات, لا سيما إذا أريد بناء منشآت هندسية في أعالي هذين النهرين تؤثر تأثيراً كبيراً على كمية وتوزيع تصريف هذين النهرين في منطقة ما بين النهرين.
استناداً للمادة “13” من ميثاق الأمم المتحدة وفي الدورة الحادية والخمسين للجمعية العمومية، تاريخ 8 تموز 1997 تم إقرار اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية والذي يُعرف المجرى المائي الدولي في المادة الثانية فقرة “ب” ويقول: يُقصد بـ”المجرى المائي الدولي” أي مجرى مائي تقع أجزاؤه في دول مختلفة.
وهو ما ينطبق على نهري دجلة والفرات اللذين يقعان في ثلاث دول, بينما تركيا لا تعترف بهما كنهرين دوليين بل تعتبرهما نهرين عابرين للحدود. وتُعرّف تركيا النهر/ أو المجرى الدولي، بأنها مجارٍ تقع إحدى ضفتيها ضمن حدود دولة، وتقع الضفة الأخرى ضمن حدود دولة ثانية، ليمر خط الحدود في منتصف المجرى المائي، أما المجرى/ النهر العابر للحدود فيخضع للسيادة المطلقة للدولة التي ينبع منها.
التفسير التركي للاتفاقية
جرت في أنقرة مفاوضات ثلاثية (تركيا – سوريا – العراق) في أيار 1974 حول ملء خزاني “كيبان والطبقة”، حيث صرح الوفد التركي المفاوض حينها بأن: “ملء خزان كيبان من حق تركيا، ولها أن تتصرف به كما تشاء دون ضرورة لأخذ موافقة أية جهة كانت، وإن الحكومة التركية في الوقت الذي تحترم فيه حقوق الأقطار المجاورة في المياه المشتركة بينهما، تتمسك بحقوق الشعب التركي وتضمن مصلحته بالدرجة الأولى، انطلاقاً من مبدأ سيادة تركيا على مصادرها الطبيعية”.
رئيس الوزراء التركي حينها سليمان ديميريل صرح بتاريخ 6 أيار 1990 “إن لتركيا حق السيادة على مواردها المائية، ولا ينبغي أن تخلق السدود التي تبنيها على دجلة والفرات أية مشكلة دولية، ويجب أن يدرك الجميع أن لا نهر الفرات، ولا نهر دجلة من الأنهار الدولية، فهما من الأنهار التركية حتى النقطة التي يغادران فيها الإقليم التركي، فالنهر لا يمكن اعتباره نهراً دولياً إلّا إذا كان يشكل الحدود بين دولتين أو أكثر، ولكل دولة حقها الطبيعي في استغلال مواردها المائية كما تشاء، وليس لأية دولة أخرى الحق في الاعتراض على ذلك”.
سنة 1992 ولدى زيارته لإسرائيل قال حكمت تشتين، وزير الخارجية التركية الأسبق: “إن تركيا تمتلك ثروة مائية على جانب كبير من الأهمية وإن من حقها بيع هذه الثروة لمن تريد وحجبها عن الدول التي تعرض مصالح تركيا للخطر، وإن من حق تركيا المتاجرة بالمياه مثلما يتاجر الآخرون بالنفط ويحتكرون عائداته… وإن تركيا على استعداد لتزويد إسرائيل بأية كمية تحتاجها من المياه دون أن تعبأ بمعارضة الدول المستفيدة من مصادر المياه التركية، لذلك يجوز لها التصرف بهذه المصادر وفق مصالحها”.
التعاون التركي الإسرائيلي
هذه هي بعض النماذج من التفسيرات والرؤية التركية حول الاتفاقيات الدولية, وهو ما يبين بوضوح تام تعارض هذا التفسير والرؤية التركية الممارسة بشكل عملي على أرض الواقع مع بنود الاتفاقيات الدولية,  فهي تستخدمها لمصالحها الشخصية وكورقة ضغط ضد كل من سوريا والعراق.
 إلى جانب ذلك هناك مشروع التعاون في الشرق الأوسط أو ما يُسمى بـ “قناة السلام” والتي تنقل بموجبها تركيا مياه الفرات ودجلة إلى إسرائيل مروراً بالأراضي السورية وهو ما تشترط فيه إسرائيل التطبيع مع سوريا لكي تمر مياهها بسلام في الأراضي السورية, إلى جانب كونه يدعو الى تطويق الدول العربية وإغراق أسواقها المحلية بالمنتجات التركية وبالمياه التي تأخذها إسرائيل من الفرات ودجلة وتعبئها وتبيعها للبلدان العربية.
جوهر النوايا التركية
تركيا المستفيد الأكبر في مناطقنا وهي باستمرار تهدد وتنفذ تهديداتها بسبب عدم وجود رادع قوي وفعال من جانب المجتمع الدولي، ونرى أنها في الآونة الأخيرة قد قامت بقطع المياه عن طريق مرتزقتها عن أكثر من مليوني شخص (مدينة الحسكة السورية وريفها نموذجاً).
تركيا التي بنت سد أتاتورك وهو من أضخم السدود بالعالم بحجة تنمية مناطق جنوب شرق تركيا (كردستان) والهدف الأساسي لها هو الضغط على كل من سوريا والعراق وتهديدهما من خلال قطع المياه عنهما، حتى أنها اقترحت على العراق أن يستغني عن مياه الفرات بحجة أن لديه مياه دجلة وهي تكفيه!
بناءً عليه, نرى كيفية استخدام تركيا لموضوع المياه من وجهة نظرها ضاربة بعرض الحائط كافة القوانين والاتفاقات والمواثيق الدولية حتى تلك التي وقعت عليها، فنراها تنسحب منها دون أي رادع (انسحابها مؤخراً من اتفاقية إسطنبول لمناهضة العنف ضد المرأة نموذجاً). وهكذا تستمر في عملية قطع مياه نهر الفرات عن سوريا، مما يُهدد بكارثة إنسانية وبيئية جسيمة بحق ملايين البشر والكائنات الحية الأخرى التي تعيش على مياه هذا النهر العظيم صاحب الحضارات العريقة مع نهر دجلة.
النظام السوري حليف النظام التركي
على الجانب الآخر, نرى بأنه منذ 20 آذار 2021 والنظام السوري قد أغلق من طرف واحد المعابر الحدودية التي تربط مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا بالداخل السوري في خطوة يراها الكثير من المحللين ومراقبي الوضع السوري بشكل عام تصب في خانة ممارسة المزيد من الضغوط على الإدارة الذاتية للحصول على تنازلات ولكسب وقت إضافي لزيادة عمره.
هذا النظام الذي كان قبل انتفاضة الشعب السوري ينظر إلى النظام التركي على أنه صديق وحليف رئيسي له، لا بل وصلت به الأمور إلى حد اعتبار تركيا “قطر شقيق” بحسب تعبير رأس النظام. هذه الحقيقة وإن غطتها في بعض فترات الاحتجاجات والأزمة السورية التي تحولت فيما بعد إلى حرب أهلية بشعة أكلت الأخضر واليابس, إلا أنها لم تكن بخافية على من تابع هذه الأزمة السورية بتعمق وروية, حيث شاهدنا في أكثر من مناسبة التصريحات النارية التي كان النظام التركي يُصرح بها في بدايات الأزمة بقوله “حمص, حماة, حلب… خط أحمر” بمعنى أنه لن يسمح للنظام بدخولها والقضاء على المنتفضين هناك.
لكن ما حدث كان العكس تماماً إذ تخلى هذا النظام القمعي العنصري عن المعارضة وأبرم اتفاقات مع النظام وعبر الروس مقابل إجهاض مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية والتي تشكلت في مناطق شمال وشرق سوريا بعد تحريرها عقب ثورة 19 تموز 2012.
إن استمرار إغلاق النظام لهذه المعابر الحيوية للشعب السوري بمجمله إنما يندرج تحت غطاء لا يستر من الأمر شيئاً، فهي رسالة واضحة للشعب السوري بالدرجة الأولى مفادها “أنا لا اهتم بكم ولا باستمرار حياتكم أو موتكم جوعاً أو عطشاً.. ما يهمني هو استمراري في البقاء على رأس السلطة وتجهيز خليفتي من عائلتي”.
صراع التوازنات ومناطق النفوذ
بطبيعة الحال ليس خافياً على أحد مسألة صراع النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية التي تتواجد على الساحة السورية، وبالتأكيد فإن مسألة إغلاق المعابر هي إحدى هذه الصراعات .
إن كلا من إيران وتركيا وروسيا الذين هم نظرياً في تحالف مشترك عبر مؤتمرات الاستانات, لكن في حقيقة الأمر هناك صراع كبير بين الروس والإيرانيين والأتراك في سوريا، فكل جهة تسعى وتعمل جاهدة على دعم وتقوية الطرف أو الأطراف المحلية التي تعمل وفق أجندتها ومصالحها الحيوية في سوريا.
الروس يهمهم الحفاظ على المكتسبات التي حققوها من خلال حصولهم على قواعد وموانئ ومطارات في سوريا من جانب النظام، لذا نراهم يدعمون النظام بقوة ولكن في نهاية المطاف لا يهمهم من يحكم سوريا بقدر ما يهمهم الالتزام بهذه الاتفاقات التي جرت بينهم وبين النظام. على الطرف الآخر نرى كلاً من إيران وتركيا تسعيان إلى مد نفوذهما في أوساط الشعب السوري، فإيران تتمدد عقائدياً من خلال انتشار ظاهرة التشيع بينما تركيا تسعى إلى إحداث تغيير ديمغرافي في مناطق روج آفا والشمال السوري عموماً لتحقق هدفها الذي يكمن في ضم تلك المناطق وفق “الميثاق الملي” الذي يعتبر روج آفا وشمال سوريا وصولاً إلى الموصل وكركوك ضمن الأراضي التركية.
الهدف الحقيقي للاتفاق السوري التركي الضمني
وهكذا نرى بأن النظامين التركي والسوري متفقين ضمنياً على تحطيم الإرادة الحرة للشعوب التي تأسست ونشأت في شمال وشرق سوريا وحققت الكثير من المكتسبات الروحية والمادية من خلال بناء الإدارة الذاتية المدنية والديمقراطية لسبع مناطق تضم العديد من الثقافات والحضارات وتتقبل بعضها البعض وتعيش معاً جنباً إلى جنب في السراء والضراء.
النظامان يُعتبران وجهان لعملة واحدة، فهما نظامان شموليان يفرضان اللون الواحد على شعوب المنطقة ويرفضان الحوار مع ممثلي الشعوب الحقيقيين، لا بل على العكس من ذلك، نراهم يزجون بهم في السجون والمعتقلات (صلاح الدين دميرتاش ونواب حزب الشعوب الديمقراطية في تركيا نموذجاً).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.