سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

حدائقنا… ما حالها؟

 كوثر مارديني-

الحدائق رئات المدن والمتنفس الطبيعي الوحيد لأهلها، فالحدائق العامة والمساحات الخضراء تعتبر من أهم المخططات التي يجب أن تتوافر في المدن لأنها مرافق عامة يقصدها أهل المدن أيام العطل والإجازات للترفيه عن أنفسهم، وهناك حدائق كبيرة أو منتزهات خاصة بممارسة رياضة المشي والجري في أجواء نقية مشبعة بالأكسجين.
 وتكون هذه الحدائق ملاذاً آمناً ومكاناً جميلاً للأطفال لممارسة ألعابهم بعيداً عن الشوارع والسيارات وأخطارها، بالإضافة إلى أن جو المدينة المليء بأوكسيد الكربون وغيره من الملوثات المنبعثة من السيارات والمعامل والمولدات، ودخان المدافئ خاصةً وأن نوعية المازوت اليوم سيئة للغاية، وهنا يأتي دور الحدائق والمنتزهات والمساحات الخضراء لتخفف من حدة التلوث وتعطينا الأوكسجين النقي.
 وما نراه اليوم في مدن روج آفا بشكل عام من ازدياد كبير في حركة العمران على حساب مساحات الأراضي الزراعية والمساحات الخضراء، فأصبح المواطن يضحي بالأشجار والحديقة من أجل بناءٍ إسمنتي يمنع عن ساكنيه الهواء ونور الشمس، وحتى المساحات التي كانت من المفروض أن تكون حدائق ضمن الأحياء وبإهمال من بلدية النظام استغلها بعض الأهالي وقاموا بتقسيم تلك المساحات والأراضي، وأخذ كلّ واحد منهم قسماً منها وكأنه ورثه عن آبائه وأجداده، وبكل ثقة وبأعلى صوت يقول إنها أرضي وحديقتي لأنها مقابل بيتي.
 فقام كل واحدٍ منهم بوضع يده على مساحةٍ من تلك الحديقة، وحوّلها إلى حديقةٍ خاصةٍ به وبعائلته وقام بتسويرها بما شاء له أو بما كان بإمكانه من أشجار أو أسلاك متشابكة بعشوائية أو حجارة، المهم أنه وضع حدوداً لأرضه المزعومة، وفي أحسن الأحوال قام البعض فعلاً بتحويلها إلى حديقة فزرع فيها الأشجار والورود وزيّنها بنافورةٍ جميلةٍ، والآخر استغنى عن الورود وفكر بشكلٍ اقتصادي فزرع بدلاً عنها البصل والبقدونس وغيرها من الخضار التي من الممكن أن تنجح زراعتها.
 وقام الكثيرون بزراعة أشجار الزيتون لأننا شعب يحب الاعتماد على الذات، أما البعض الآخر فقد خطرت له أفكار رهيبة وغريبة، فنظراً للظروف الاقتصادية الصعبة فقد بنى قناً للدجاج واشترى عدة دجاجات ليحصل على البيض مجاناً، والآخر ربى بعض الخراف والنعجات فيها، وآخر بنى فيها دكاناً لابنه العاطل عن العمل، وآخر حولها إلى كراج لسيارته.
واليوم تحاول البلديات استرجاع تلك المساحات لتحولها إلى حدائق عامة جميلة تعطي جمالاً وبهاءً لمدننا وشوارعنا وهواءً نقياً ومنظراً ترتاح له عيوننا، لكن تلك المحاولات قوبلت باعتراض شديد وسخط كبير من الأهالي المستولين على تلك الأراضي.
 وفي أولى تلك المحاولات التي قامت بها بلدية الحسكة بالتعاون مع إحدى المنظمات المحلية وبالرغم من الصعوبات التي واجهتهم واعتراض الأهالي، إلا أنهم أنجزوا العمل بكل إتقان ودقة وحافظوا على الأشجار، أما سوى ذلك فاقتلعوه ثم رصفوا الحديقة ووضعوا فيها المقاعد وبعض ألعاب الأطفال، والإنارة التي تعمل على الطاقة الشمسية، ووعدوا الأهالي بتقديم الأفضل والأجمل في المستقبل لتصبح الحديقة بيتهم الثاني وملجأهم الآمن، لكن وبعد يوم واحد فقط من وضع المقاعد اختفت واحدةٌ منها، لأن أحد الجيران أخذ المقعد إلى بيته فهو يفضل الجلوس عليه في بيته، وقد وشى به أحد الأطفال، وفي اليوم الثاني اختفت إحدى اللوحات التي تعمل على الطاقة الشمسية التي كانت ستؤمن الإنارة للحي والحديقة، وتلك اللوحة طبعاً باهظة الثمن، فما العمل إذن؟
 إلى متى سنفكر بهذه الأنانية! نهتم بنظافة بيوتنا ونلوث شوارعنا وحدائقنا ونزرع في بيوتنا الورود ونقلعها من المنصفات والحدائق، لماذا هذا الأذى كله؟ بكل أسف هذا يدل على أننا لا نحبّ وطننا، فمن يحب وطنه يحافظ على كل شيء فيه ويحميه كأنها جزء منه. والحديقة عزيزي المواطن ستكون لك أنت وستجلس فيها وتستمتع بجمال أشجارها وورودها وهوائها النقي، وسيلعب فيها أولادك براحة وأمان، فهل هناك أجمل من أن ننعم بالهدوء والراحة والجمال.. وحضارة المدن تكون بنظافتها وحدائقها!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.