أحمد اليوسف-
لا شكّ أن الإعلام في وقتنا الحاضر هو الوسيلة الأكثر انتشاراً والأسرع وصولاً والأكثر تأثيراً، فلا يكاد بيت يخلو من إحدى وسائل الإعلام المرئية أو المسموعة أو المقروءة، وعلية فإنّ للإعلام تأثيراً مباشراً على المجتمع سلباً وإيجاباً، بل أصبحت قوة الكيانات والدول مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقوة إعلامها، وقدرته على الوصول إلى العالم.
ومن هذا المنطلق فإنّ بعض الدول المتجهة للاستعمار مثلاً تبدأ حربها وحملاتها بدايةً عبر الإعلام لتمارس حرباً نفسية هدفها تحطيم المجتمع المستَهدَف معنوياً، وتفتيته فكريّاً، وبذلك يسهل عليها من خلال هذا الغزو النفسي والثقافي السيطرة على هذا المجتمع.
ما يترتّب على المجتمع في هذه الحالة أن يقوم بالمقارنة بين ما يطرحه الإعلام المعادي، والواقع الذي يعيشه هذا المجتمع وأن يكون أكثر وعياً في التعاطي مع هذا الإعلام الذي يتخذ من التضليل أداةً له، وذلك بنشر الكثير من الأكاذيب والشائعات لبثّ الريبة في نفوس الأفراد والجماعات وزعزعة ثقتها بما تملكه أو تعيشه واقعاً، وتحوير الحقائق الملموسة وترصّد الأخطاء الفردية لتعميمها وجعلها ظاهرة عامّة، من هنا علينا التمييز جيداً بين ما هو ظاهرة فردية تحدث في أي مكان وبين ما هو ظاهرة عامة أو سياسة متّبعَة، لنتمكّن من التخلّص من التأثير الذي يريده هذا الإعلام، وبالتالي مواجهته بالحقائق الواقعية لسد الطريق عليه والحيلولة دون وصوله إلى عقول أفراد المجتمع عبر أساليبه التضليلية المختلفة.
تعدّ وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، مصدراً مهماً من مصادر التوجيه، وهي تلعب دوراً بالغ الأهمية في تشكيل شخصية شباب اليوم والغد، ويمكن الزّعم بأنّها إحدى العناصر الأساسية في المساهمة في صقلِ ملامح مجتمعات المستقبل. وإذا كان دور وسائل الإعلام في أي بيئة مُجتمعية يتحدد بالأثر الذي تستطيع أن تحدثه فيها، فمن الممكن أن نقسّم وسائل الإعلام باعتبار تأثيرها في المجتمعات إلى اتجاهين: سلبي وإيجابي، وذلك باعتبار الهدف الذي يسعى إليه القائمون على كل اتجاه بشكل واعٍ أو غير واعٍ.
فوسائل الإعلام ذات التأثير السلبي غير معنية بما تقدّمهُ للمجتمع وأفراده، ولا تقوم بأكثر من التوصيل لكن دون أسس واضحة ودون معرفة، وإلا ما الغاية المرجوّة من كل ذلك الزّخم من الأخبار السلبية التي تؤدي لانهيار المعنويات وغلبة الإحساس بعدم الأمان والتوجس، ما الغاية المرجوة من النبش عن أخبار الجرائم والاعتداءات والاغتصاب وغيرها، مما يُفضّل إغفالها والتستر عليها.
إن الانشغال بالحالات التي تفسد الحياة ـ وهذا هو حال الإعلام اليوم ـ كان على حساب الاهتمام بدراسة الحالات التي تجعل الحياة ذات معنى جميل، فالناس بحاجة لما هو أكثر من مجرّد معرفة وصف ما لديهم من نقاط ضعف، فهم يريدون حياة ذات معنى، لا يريدون أن تضيع حياتهم وهم يحاربون ضعفهم. فما يؤرقهم ويدعوهم للتفكير أن يتقدموا في حياتهم من تحقيق إيجابيات محدودة إلى تحقيق إيجابيات أكبر… مقابل تفكيرنا في تحسين نقائصنا الكثيرة حتى تصبح أقل.. وبذلك نصبح أقل شعوراً بالبؤس يوماً بعد يوم.