سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

لعنة أستانة والولادة المتعسرة

مهيب صالحة –
لقد سرقت أستانة العاصمة الكازاخية الأضواء من جنيف كما سرق الإسلام السياسي وهو (لعنة الربيع العربي) ثورة الشباب السوري السلمية التي لم يكن همها البتة الاستيلاء على السلطة أو معاداة شخص أو عائلة أو طائفة من أطياف الشعب السوري بسبب قربها من السلطة أو اتكاء السلطة عليها. لقد كانت ثورة بما تعنيه الثورة من تغيير في شكل وجوهر وأساليب وأدوات وآليات إدارة البلاد، إدارة حياة السوريين، من الاستبداد إلى الديمقراطية، من الإقصاء والإلغاء إلى المشاركة في القرار والمسؤولية، من الفساد والإفساد إلى الشفافية وسيادة القانون، من حكم الفرد إلى الحوكمة، من الدولة التي تتولها السلطة الأمنية إلى دولة القانون والمؤسسات …
لقد خرجت الثورة السورية عن سياقها كما يخرج قطار عن سكته وما حمله هذا الخروج من خراب عليها وعلى البلد، بالبشر والحجر. لقد مارس كلا الطرفين، السلطة الأمنية والمعارضة الإسلامية بجناحيها السياسي والعسكري سياسة واحدة أخذت البلد إلى الحرب ورمتها في أحضان خوارجهما.
ثمة من تعمَّد منذ البداية إبعاد منظمة الأمم المتحدة عن لعب ما كان يفترض أنه دورها الرئيس وهو حل النزاعات سلمياً وتحقيق الأمن والسلام في العالم وفي مناطق النزاع رغم تدخلها الخجول في سوريا عبر إرسال مبعوثين إليها لا يتعدى الواحد منهم أن يكون أكثر من مجرد موظف لا يملك من قراره شيئاً مع لعب دور شاهد زور على اتفاقات وتفاهمات الدول المتدخلة والفاعلة في المسألة السورية، ومدير جلسات تشاطر بين وفدي سلطة ومعارضة من غرفتين منفصلتين في جنيف في الوقت الذي كان الخارج الروسي بغطاء أمريكي يسرق المفاوضات من جنيف إلى أستانة للتخلص من عقدة بيان جنيف بين هيلاري كلينتون ولافروف الذي بلغ طريقاً مسدوداً بسبب الالتباس المقصود في هيئة الحكم الانتقالية الذي خضع لتفسيرات متناقضة عطلت مسار جنيف التفاوضي وأطالت أمد الصراع المسلح وفاقمت نتائجه المدمرة للذات الوطنية السورية .
عشر جولات أستانية برعاية روسية إيرانية تركية، ومن خلف الستارة أمريكا وإسرائيل تراقبان المفاوضات عن كثب، كان فيها الطرفان السوريان، السلطة والمعارضة ، على هوامشها يقبلان ما تتفق عليه الدول الراعية. لقد نجح هذا المسار في وقف القتال في أربع مناطق أطلق عليها مناطق خفض التصعيد كمرحلة أولى وتسليم ثلاث منها حلب والغوطة والجنوب لحكومة دمشق في المرحلة الثانية ضمن ترتيبات معينة مقابل تقاسم النفوذ بين الدول الراعية على كامل الأرض السورية: تركيا غرب الفرات وإدلب، وإيران الكريدور (الممر) الممتد من البو كمال حتى القلمون الغربي والقصير والمنطقة الجنوبية، وروسيا الساحل والمنطقة الوسطى حتى العاصمة ، وشرق الفرات وقاعدة التنف تحت النفوذ الأمريكي.
عقدتان تمخض عنهما مسار أستانة أقلقتا الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية، عقدة تركيا في الشمال السوري وعقدة إيران في الجنوب السوري. فاقتراب تركيا كثيراً من روسيا أعطاها في سوريا ما لم تأخذه من أمريكا لا في ظل إدارة أوباما ولا في ظل إدارة ترامب الحالية  جرابلس والباب وإعزاز وعفرين ونقاط تمركز ورقابة عسكرية في إدلب والريف الشمالي لحماه) وهذا النفوذ يبدو أنه في مواجهة النفوذ الأمريكي شرق الفرات الداعم للكرد وللإدارة الذاتية فيه مما يقلق راحة أردوغان فيزيد من تقربه من روسيا في الاقتصاد والاستثمار والتجارة والتسلح وأوكرانيا والقرم واللاجئين وتقربه من حليفها الإيراني أيضاً على حساب مصالح شريكه الأمريكي في حلف شمال الأطلسي سواء في سوريا أو في المنطقة الممتدة من بحيرة قزوين حتى البحر الأبيض المتوسط. إن رفض التركي الخضوع للعقوبات الأمريكية على إيران وصفقة منظومة الدفاع الجوي س 400 وسياسات أردوغان الداخلية أثارت حفيظة الأمريكي وأخرجته عن طوره تجاه سياسات أردوغان البهلوانية التي يلعبها على حبال تناقضات المصالح الدولية. ولم يكن الرد الأمريكي القاسي وبخاصة اقتصادياً بذريعة اعتقال القس الأمريكي من قبل الحكومة التركية سوى تهديدها بقطع الشعرة الباقية معها ما لم تنصع لطلبات إدارة ترامب .
أما في الجنوب السوري؛ فتريد إسرائيل أن تحرم إيران من الشعور بانتصار إلهي طالما يتحدث عنه صباح مساء حسن نصرالله وذلك بالضغط على الإدارتين الروسية والأمريكية من أجل إخراجها من سوريا قبل أن تنشئ حزب الله سوري على حدودها في الجولان المحتل وتقوي قواعدها العسكرية في سورية مما يصعب إخراجها منها فيما بعد. وجاء موقف إدارة ترامب الراديكالي من الاتفاق النووي مع إيران ومن برنامجها في الصواريخ الباليستية وتدخلاتها في المنطقة ليقطع الشك باليقين عن نية أمريكا إضعاف دور إيران في المنطقة، بينما تستمر إيران باللعب على الوقت كعادتها لربما يحصل تغيير سياسي ما في أمريكا فيغير اتجاه اللعبة. لقد كان هاجس ترامب الأساس في قمة هلسنكي مع بوتين إضعاف دور كل من إيران وتركيا في سوريا مقابل إطلاق أمريكا يد بوتين فيها. في المقابل يدرك بوتين أن أمريكا هي الوحيدة التي بمقدورها تعكير صفو سياساته في سوريا وإغراقه في رمالها المتحركة إذا ما قررت دعم أية مقاومة محتملة للاحتلال الروسي. وفي الوقت ذاته يشعر بوتين بالإحراج الشديد من كونه لا يملك القدرة والوسائل الكافية لتنفيذ رغبات ترامب لا في الشمال السوري الذي تمددت فيه تركيا حتى صارت رقماً صعباً في حسابات روسيا، ولا في الجنوب السوري، حيث أقصى ما يمكن أن يقدمه بوتين لترامب ونتنياهو هو إبعاد إيران عن الحدود مع إسرائيل لمسافة قابلة للتفاوض ربما تقبلها إيران في محافظتي درعا والقنيطرة في أية مفاوضات تؤدي إلى قبولها أمريكياً وإسرائيلياً وترفع العقوبات عنها ولكن لن تقبلها بسهولة في محافظة السويداء التي تعتبرها إيران بيئة مواتية لبقائها في الجنوب قريبة من دمشق العاصمة ومن إسرائيل ومن بوابة الخليج العربي الشمالية، من هذا القبيل يشتد الصراع بين إسرائيل وإيران على جبل العرب وربما يأتي هجوم داعش الغادر على قرى الجبل الشرقية والشمالية واختطاف نساء وأطفال واللعب في ملف تحريرهم من قبل جهات مختلفة في سياق عض الأصابع بين إيران وإسرائيل حول اتجاه تموضع الجبل في أي عملية سياسية مقبلة.
من وجهة نظر إسرائيلية بحتة فإن إسرائيل اليهودية حذرة شديد الحذر من أي دور محتمل لتركيا السنية وإيران الشيعية ـ إذا حافظتا على نفوذهما في سورية ـ في أية ترتيبات سياسية مع سورية العلوية وفلسطين السنية في إطار ما اصطلح عليه بصفقة القرن، لذلك تبدي كل ما في وسعها سياسياً لتسويق دولة كردية في الشمال السوري ودولة درزية في جنوبه فتصبح الدولة اليهودية محور خارطة الشرق الأوسط السياسية الطائفية التي وحدها تحظى بالإجماع والدعم الدوليين وخاصة من قبل أمريكا وروسيا.
لم تكن روسيا تتوقع وهي تسرق مسار جنيف أنها تصنع ” لعنة أستانة ” ـ  إضعاف الأطراف السورية والعربية مقابل تغول أطراف إقليمية متناقضة (إسرائيل وإيران وتركيا ) وانكشاف لعبة المصالح الدولية بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من جهة وبين الدول الراعية لأستانة من جهة ثانية ـ تظهر بوادرها جلياً داخل كل من إيران وتركيا في أزمة تدهور الريال والليرة، وربما تدرك القيادة الروسية أهمية الرسالة الموجهة إليها من إدارة ترامب فتتلقفها في سورية وفي مناطق أخرى تشكل ربط نزاع معها ولا سيما أن روبلها تذوق الأزمة ذاتها من قبل. في المقلب الآخر لم تتوقع روسيا أن العملية السياسية التي مهدت لها العمليات العسكرية في إطار اتفاقات وتفاهمات أستانة هي أعقد مما تتصور لأن منظور أستانة عسكري بني على قاعدة غالب ومغلوب وتقاسم نفوذ بينما منظور جنيف سياسي بني على قاعدة لا غالب ولا ومغلوب. إن أعقد المسائل في العملية السياسية هي الانتقال السياسي واللاجئين وإعادة الإعمار وكلها ليس بمقدور روسيا ومن معها من دول راعية لأستانة التفرد بها وفق منظوراتها. وتأتي محاولة روسيا تقديم ملف اللاجئين على الملفات الأخرى من قبيل المزايدة على الدول الأوروبية التي لا تنتهي بالشراء إنما لكسب بعض الوقت وبعض النقاط السياسية بظهورها بمظهر الحريص على القضايا الإنسانية.
إن مسار أستانة لم يكن فقط لعنة على الأطراف المشاركة فيه وإنما أدى إلى تعسر ولادة سورية جديدة عبر مفاوضات سياسية ترعاها منظمة الأمم المتحدة. فهل العودة إلى مسار جنيف لا تزال حقيقية؟ أم أنها صارت من الماضي بسبب المعطيات الجديدة التي أنتجتها أستانة؟ وهل من مسار آخر ينشأ ويأخذ جديته من فشل المسارين السابقين؟؟
لا شك أن تطبيق تفاهمات أستانة قد فرض معطيات جديدة على الأرض صارت تحول دون العودة إلى جنيف بنسخته الأولى (بيان جنيف ـ ١ والقرار ٢٢٥٤)، فالمعارضة التي تفاوض أصبحت بدون أنياب وتركيا التي تدير جناحها الإسلامي الأقوى تهتم قبل كل شيء بتأمين منطقة نفوذ لها غربي الفرات، والنظام فقد قدرته على المناورة السياسية بسبب الانقسامات الحاصلة في داخله حول بقاء إيران في سورية بين قسم يؤيد بقاءها وقسم يؤيد وجهة النظر الروسية التي تتلاقى مع طلبات أمريكية وإسرائيلية بخروج إيران، وفي المقابل توجد أمريكا التي تقود تحالفاً دولياً ضد داعش شرقي الفرات وتدعم قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية التي يقودها الكرد ولها تسع قواعد عسكرية فيه. إن التناقضات الدولية التي كانت تتحكم بمفاوضات جنيف صارت أكثر تعقيداً بعد أستانة مما كانت عليه قبلها، وبالتالي فرص العودة إلى مسار جنيف صارت معدومة ما لم تتمكن روسيا وأمريكا من إضعاف دور تركيا وإيران شمال وجنوب سورية والاتفاق على خارطة طريق جديدة على أساس تقاطع مصالحهما وليس تناقضاتها وهذا يتوقف على مدى توافق المصالح الاستراتيجي بين الرئيسين ترامب وبوتين على القضايا المتنازع عليها. إذن ولادة سورية جديدة وفق مسار جنيف المعدل ترتبط بتوافقات روسية ـ أمريكية في قضايا أخرى ربما تكون مؤجلة في الوقت الحاضر.
لقد استغرق كل من مسار جنيف وأستانة عدة سنوات لم يتمكنا خلال جولاتهما الكثيرة من جمع السوريين على طاولة مفاوضات واحدة ومن دون مؤثرات خارجية، كما لم يتمكنا من تشكيل لجنة مشتركة واحدة لبحث موضوع واحد وتوقيع وثيقة واحدة مشتركة، بل يمكن القول إن المسارين نجحا في توسيع الهوة بين السوريين عوضاً عن ردمها وهذا بحد ذاته يشكل أكبر فشل لمفاوضات جنيف وأستانة سورياً. إن هذا الفشل يطرح السؤال جدياً على السوريين: لماذا يتم تنحية الخيارات الوطنية العابرة لتقسيم موالاة ومعارضة والتي يمكن أن تتبلور من خلال حوار وطني أو مفاوضات مباشرة بين أطراف سورية متعددة تمثل الشعب السوري بكامل مكوناته العرقية والدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية على أساس ولادة سورية جديدة لكل السوريين؟
إن تشجيع كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الروسي لمفاوضات مباشرة بين الإدارة الذاتية شرق الفرات ممثلة بمجلس سوريا الديمقراطية وحكومة دمشق حول قضايا خدمية وسياسية تهم الجانبين قد تشكل لو صدقت النوايا وتحررت الإرادات وأتت أُكُلَها بادرة أولى لحوار وطني يتجاوز لعنة أستانة وكل اللعنات الأخرى ويعجل بولادة سورية الجديدة التي يريدها كل السوريين من رحم معاناتهم ووفق مصالحهم الوطنية.

التعليقات مغلقة.