سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ليست أُمَّاً عادية..

ميديا غانم –

الأم العاملة ليست أُمَّاً عادية كما يظن الكثيرون، فلا يرى من حولها الصراع الذي تعانيه لتستطيع أن توفق بين عملها وتحمل مسؤولية الأطفال والمنزل، فتجدها منهمكة طوال الوقت لتوازن بين أدوراها في العمل والبيت، في حين تجد أن القليل من يلاحظ ذلك.
عمل المرأة أمر ضروري ومحتوم، سواءً كانت أُمّاً أم لا، ولكن يختلف الوضع بين الحالتين كثيراً، فالأم العاملة أعمالها ومتاعبها مضاعفة، فتربية الأولاد والاعتناء بهم ليس أمراً هيّناً كما نعلم، وكذلك فإن عمل المنزل وأشغاله يتطلب مجهوداً ليس بالقليل، فمن طبخ إلى تنظيف.. إلخ، فما بالك بالعمل خارج المنزل مع كل هذا؟ ولكن ورغم كل ذلك تجد الأم العاملة جبارة وذات إرادة صلبة تقاوم كل الظروف والمعوقات لتوفق بين مهامها بكل إمكاناتها لتبرهن على أنها امرأة.. فكلمة امرأة تعني التميز والقوة بحد ذاتها.. وتعني أن تتحمل عذاب الولادة لتهب الحياة لروح جديدة.. تعني أن ترعى وتعطف وتحن في كل الظروف.. وتعني أن تواجه الغبن من المجتمع منذ آلاف السنين حتى الآن ولا زلت تقاوم.. وتعني أن تكد وتعمل بألف يد دفعةً واحدةً.. وتعني الكثير.. حيث يطول الشرح لذكرها.
ولكن الأمر المؤسف أن الأم العاملة مع كل هذا الجهد في محاولة منها أن تكون ذات استقلالية وإبراز شخصيتها ولعب دورها في تطور المجتمع بعملها، إلا أنها لا تجد التقدير أو الدعم ممن حولها، سواءً من شريك حياتها أو من أرباب العمل ومحيطها بشكل عام، وإن وجد فيكون بشكل بسيط أو قليل جداً، حيث يتبين من ذلك كأن كل من حولها يعاقبها بجريمة اسمها “عندك ولاد ليش تشتغلي”.
والأم العاملة في شمال وشرق سوريا أنموذجاً، فبعد ثورة روج آفا والشمال السوري وكل التطورات الإيجابية التي أحدثتها الثورة، دخلت المرأة في هذه المناطق كافة المجالات وأغلبهن أمهات، فمنهن مدرسات وأخريات يعملن في مؤسسات وهيئات الإدارة الذاتية الديمقراطية، وغيرهن من يعملن في المنظمات المتنوعة، وفي الكثير من المجالات الأخرى، ولكن هل هُيِّئ لهذه الأم الأرضية المناسبة لتسطيع أن توازن بين عملها ومسؤوليتها كأم وربة منزل؟
الجواب من وجهة نظري كأم عاملة ضمن هذا المجتمع أنه لم يهيأ لعمل الأم بالشكل المطلوب، حيث لا زالت الأمهات العاملات يواجهن الكثير من الصعوبات في تأمين بقاء أطفالهن في الروضات أو الحضانات أو البيوت أثناء مزاولتهن لعملهن، فأغلب العاملات في المؤسسات يكون دوامهن غير مناسب مع دوام الروضات، ناهيك عن عدم التعاون الكامل معها من قبل إداريي عملها من ناحية الدوام والإجازات، ولا يزال كل من حولها لا يقدر لها كل ما تقوم به، فمنهم من ينظر إلى ذلك كأنه أمر اعتيادي بأن تواجه كل هذا الضغط لوحدها، وآخرون يبررون عدم تعاونهم وتقديرهم لها كعقاب لها لأنها تعمل، فتجد من يقول حيال ذلك “خليها تقعد بالبيت وتهتم بأولادها وزوجها مو أحسن؟!”، ليثبت المجتمع مرة أخرى أنه لا يزال متمسكاً بعادات بالية تسعى لوأد دور المرأة.
ولكن كلي ثقة بأن الأم العاملة ستستمر بمجابهة كل هذه المعوقات وتقدم الأفضل لمجتمعها وتكون الريادية في عملها كما في مناطقنا، ولكن من المهم جداً تخفيف هذا الضغط الهائل عليها أثناء سعيها للقيام بكل مهامها على أكمل وجه، فهي بحاجة للدعم المعنوي جداً، وكذلك بحاجة ماسة لتفهم أرباب العمل لظروفها ومساعدتها في التوفيق بين العمل والمنزل لتستمر بالعطاء والتألق في المنزل والعمل.