No Result
View All Result
داخل مخيم يعجّ بالنازحين قرب مدينة الحسكة في شمال شرق سوريا، ولدت بيريفان قبل خمسة أشهر دون أن تحظى كشقيقتيها بدفء المنزل في مدينة سري كانيه؛ التي نزحت منها عائلتها قبل عام جراء هجوم تركي واسع على المنطقة.
تقول والدتها وضحة شيرموخ (29 عاماً)، في خيمة العائلة في مخيم واشو كاني الذي يضم نازحين كرد وعرب من منطقة سري كانيه، “وُلدت ابنتي بيريفان قبل أشهر في المخيم، لم تر منزلاً، بل خيمة”.
وتساءل متعجبة “كيف يمكن أن تكون الحياة بالنسبة إلى طفلة ولدت ونشأت في خيمة؟”. وأفراد عائلة شرموخ من بين عشرات الآلاف الذين هجروا من منازلهم، على وقع هجوم واسع شنته تركيا مع فصائل سورية موالية لها. وانتهى الهجوم بعد أسابيع، بوساطة أميركية واتفاق مع روسيا، بعد سيطرة تركيا على منطقة حدودية بطول 120 كيلومتراً تمتد بين سري كانيه (شمال الحسكة) وتل أبيض (شمال الرقة).
ورغم أن الكثير من النازحين عادوا أدراجهم إلى المنطقة ذات الغالبية العربية، إلا أن آخرين ما زالوا يعانون في مخيمات النزوح إما لأنهم فقدوا ممتلكاتهم أو خوفاً لأسباب عدة.
ويتهم نازحون كرد من المنطقة ومنظمات حقوقية المقاتلين الموالين لأنقرة بارتكاب أعمال نهب وسرقة ومصادرة منازل وتنفيذ إعدامات، على غرار ما حصل في منطقة عفرين عام 2018م إثر سيطرتهم عليها.
ورغم كونها عربية إلا أن عائلة وضحة تشعر بالقلق من العودة إلى سري كانيه، خشية اتهام زوجها بـ”التعامل مع الكرد” خلال فترة إدارة الأهالي شؤونهم تحت رعاية الإدارة الذاتية في المنطقة؛ إضافة إلى دمار منزل العائلة. تقول وضحة “أحاول أن أنسى، لكن كيف يُمكن للمرء أن ينسى منزله وجهد عمره؟”
ولعلّ أصعب ما تمر به وضحة هو رؤية بناتها الثلاث، وبينهنّ روسلين التي تعاني من شلل في ساقيها، يكبرن في خيمة جهدت قدر المستطاع لجعلها أشبه بمنزل؛ فوضعت في إحدى الزوايا أدوات المطبخ وجعلت من زاوية ثانية مكاناً للجلوس وثالثة للنوم.
وتوضح، “يبدو المستقبل أسود.. أفكر دائماً بمستقبل بناتي إذا بقي الوضع على حاله، وبماذا سيشعرن إذا خرجن من هنا ورأين كيف يعيش الناس في الخارج”. ويعتريها القلق خصوصاً إزاء مستقبل روسلين التي تجلس على كرسيها المتحرك. وتحرص يومياً على اصطحابها إلى المدرسة، خشية أن تبقى بلا تعليم.
في خيمة مجاورة، تقول المواطنة شمسة عبد القادر (40 عاماً)، وهي أم لسبعة أطفال، أنها لا تتخيل نفسها تعيش بقية عمرها في المخيم.
وتضيف: “نفكر ليلاً ونهاراً في العودة إلى منازلنا في سري كانيه، أفضّل أن أموت في بلدتي على العيش في هذا المخيم… إنه أشبه بقبر”. لكنها في الوقت ذاته، تخشى العودة إلى العيش تحت سيطرة الاحتلال التركي والفصائل التابعة لهم، واصفة إياهم بـ المرتزقة.
وتقول: “إنهم أعداؤنا، يقتلون الناس ويخطفون النساء ويسرقون بيوتنا ولا أحد يمنعهم”.
وحذرت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة الشهر الماضي من تزايد مستوى العنف والجريمة في مناطق سيطرة القوات التركية المحتلة، ومن احتمال ارتكاب الفصائل الموالية لأنقرة “جرائم حرب”.
وقالت إنّها وثقت “نمطاً مقلقاً من الانتهاكات الجسيمة” مع تزايد عمليات القتل والخطف ومصادرة الممتلكات والإخلاء القسري. ولفتت إلى أنّ الفصائل استولت على منازل وأراضي وممتلكات ونهبتها دون أي ضرورة عسكرية ظاهرة.
وتخلّت سليمة محمّد (42 عاماً) عن فكرة العودة إلى سري كانيه، حيث تم تدمير منزلها. وشرعت في الإعداد لبناء مطبخ منفصل عن خيمتها المكتظة بـ14 فرداً من عائلتها. تقول “قريتنا احترقت… حتى وإن كان لدينا أمل في العودة، إلى أين سنذهب؟ لم تعد هناك بيوت أو أبواب ونوافذ أو حتى جدران”.
وتسأل بحرقة “ماذا يعني المستقبل ما لم نكن موجودين بين أهلنا وعلى أرضنا؟”.
وتشاركها قمرة (65 عاماً)، النازحة من ريف سري كانيه، المخاوف ذاتها. في الخيمة حيث يحيط بها أحفادها، تُخرج قمرة مفتاحاً من حقيبة صغيرة، وتقول “أحضرت مفتاح منزلي”. وتضيف، “إذا متّ قبل أن أعود، أريد أن يدفنوا معي هذا المفتاح”.


No Result
View All Result