سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

نحو تنشيط الحراك الأدبي والثقافي السرياني

دلشاد مراد-

يعتبر السريان بمختلف طوائفهم من الشعوب الأصيلة في الشرق الأوسط، ولهم تاريخ عريق، وساهموا بكثير من الإسهامات في الحضارة البشرية، وفي ثقافات الشعوب، وكان للأدباء والمترجمين السريان الدور البارز في نقل علوم وفلسفة وفنون اليونان إلى الشرق الأوسط، وهو ما أدى إلى نهضة علمية وفكرية في الحقبة العربية الإسلامية ولا سيما في العصر العباسي.
وبسبب انتشار الحروب والغزوات الخارجية وتدهور الحياة العلمية في المنطقة في القرون الوسطى قل استعمال اللغة السريانية في التأليف والكتابة، واستمر هذا الوضع في فترة الاحتلال العثماني التركي حتى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث بدأ الأدباء السريان تحت تأثير النهضة الأوروبية وتعرضهم إلى حملات إبادة من قبل الأتراك العثمانيين بالدعوة إلى إحياء الأدب والثقافة السريانية، فشكلوا الجمعيات والأندية وأصدروا الصحف والمجلات، ومن بين الشخصيات النهضوية البارزة نعوم فائق (1868- 1930م)، إذ لقيت طروحاته الفكرية والقومية ونتاجاته الأدبية من الدعوة للوحدة “السريانية الآشورية الكلدانية” وإصلاح مؤسسة الكنيسة باهتمام النخبة السريانية، في الوقت الذي كان فيها سمة التشتت والانقسام الطائفي والمذهبي طاغياً على المجتمع السرياني ولا سيما بعد تعرض السريان كإخوتهم الأرمن إلى إبادة مروعة خلال عام 1915 على يد الأتراك.
وعلى الرغم من أصالة الشعب السرياني في تاريخ المنطقة، والدور البارز للأدباء السريان وخاصة في لبنان وسوريا في النهضة القومية والثقافية العربية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إلا أنه لم يُعترف بالهوية السريانية في اللغة والأدب والنشر عموماً بعد تشكل واستقلال الدول القومية في المنطقة في منتصف القرن العشرين.
وقد سنحت الفرصة للسريان بممارسة حقوقهم الثقافية وبشكل دستوري وذلك لأول مرة في ظل نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية منذ عام 2014م في شمال وشرق سوريا وخاصة في إقليم الجزيرة، حيث شارك أحزاب وجمعيات وهيئات سريانية في تأسيس هذا النظام على جانب إخوتهم الكرد والعرب وغيرهم من شعوب المنطقة.
وعلى الرغم من إقرار العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية الديمقراطية بالهوية والثقافة السريانية وممارسة الأنشطة الثقافية بكل حرية، وكذلك على الرغم من وجود مؤسسات ثقافية وأدبية سريانية كالجمعية الثقافية السريانية التي تصدر مجلة أورهي الأدبية والثقافية، ومؤسسة “أولف تاو” التي تشرف على المناهج السريانية في مدارس التعليم بالإدارة الذاتية، إلا أنه وبسبب الانقسام المذهبي والسياسي بالمجتمع السرياني ثمة ضعف في النشاط العام السرياني على مختلف الصعد ومنها الأدبي والثقافي، فلا نلحظ أية حركة لتأليف الكتب، وقليلاً ما نرى مساهمة الكُتَّاب السريان في الحراك الأدبي والثقافي، حتى أن مجلة أورهي لم تعد تصدر في الآونة الأخيرة.
إن ضعف الحركة الأدبية والثقافية السريانية لا يؤثر فقط على المجتمع السرياني، بل على مجمل الحراك الأدبي والثقافي في شمال وشرق سوريا، فثقافات شعوب المنطقة تكمل بعضها البعض. ولهذا لا بد من القائمين على الجمعية الثقافية السريانية خاصة بذل جهود فعالة لإنهاء حالة الركود في الحراك الأدبي والثقافي السرياني، ووضع خطط لتنشيطها، كتشجيع تأليف الكتب باللغة السريانية، وترجمة الآداب السريانية إلى الكردية والعربية وبالعكس، واستمرار إصدار مجلة أورهي، ونشر النتاجات والآداب السريانية في الصحف والمجلات الصادرة في شمال وشرق سوريا، وتنظيم الندوات والأمسيات الأدبية والثقافية… إلخ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.