سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

غروب شمس القومية العربية (2)

رجائي فايد –

منذ أن وجدت فكرة القومية العربية ووحدتها، وهي تحمل في طياتها عوامل الفرقة، حيث كان الجميع ينادون بحتمية الوحدة، على أساس الانتماء القومي، ويتسابق نظمها (ولو ظاهرياّ) بأنهم أول من يسعى إلى هذا الهدف، لكن الواقع كان يشير إلى عكس ذلك، فالخلافات بين الأنظمة الحاكمة كانت السائدة على الساحة العربية، وكان التأثير الأول في حرب فلسطين، والتي أسفرت عن نكسة تأسيس دولة إسرائيل، حيث تم تبادل الاتهامات بين من شارك في تلك الحرب عن أسباب تلك النكسة.
وهناك من اتهم الجيش الأردني بأنه سبب ذلك، حيث كان تحت قيادة قائد بريطاني (الجنرال جلوب)، أم أن السبب يكمن في خيانة عربية من بعض الأطراف، أو بسبب ما سمي بصفقة الأسلحة الفاسدة لمصر، والخلاصة أن أول اختبار للوحدة العربية في ظل الجامعة العربية، بمواجهة أزمة مصيرية قد فشل، وأصيب بنكسة خطيرة، كانت لها انعكاسات سلبية كثيرة، كالعدوان الثلاثي على مصر وما أسفر عنه من مكاسب لإسرائيل، وسعت بعض الأنظمة لتأمين نفسها من خلال البحث عن ارتباطات خارجية، أولها حلف بغداد بين النظام الملكي في العراق، وتركيا، حيث قُوبل ذلك بخطوة وحدوية عربية والإعلان عن قيام الوحدة بين مصر وسوريا، وعلى الفور ومن باب ذر الرماد في العيون الكل أجمعوا على السعي للوحدة، إذ ردت كل من العراق والأردن بإعلان الاتحاد الهاشمي (فيصل ـ حسين)، وكانت النتائج سريعة جداً بسقوط الملكية في العراق، ورحبت مصر بذلك وبالعهد الجمهوري الجديد في العراق.
إلا أن قوانين (الفيزياء) التي يتنافر فيها المتشابهان، انطبقت على غير عادتها في الحالة السياسية العربية، وسريعاً ما حدث التنافر بين عبد الناصر وعبد الكريم قاسم، فأيدت مصر بقوة انتفاضة فاشلة للشواف في الموصل، كما وقف عبد الناصر في طريق ضم قاسم للكويت عشية استقلالها، وبعدها كان الانفصال، حيث نجح بعض الضباط السوريين في دمشق من القضاء على أول وربما آخر محاولة للوحدة العربية، واستعد المسرح العربي لانتظار مشهد جديد، إذ تولى الإمام البدر زمام السلطة في المملكة المتوكلية اليمنية خلفاً لوالده الإمام أحمد، وكانت فرصة لبعض الضباط ليثوروا على هذا النظام المتخلف، ووجدها عبد الناصر فرصة لإثبات صحة توجهه العربي، فأرسل قواته إلى اليمن لمساندة تلك الثورة، ليقع في مستنقع تلك الحرب، إذ فقدت مصر أكثر من (50000) من جنودها، كما فقدت هيبتها، في عملية شراء ولاءات القبائل اليمنية، مقابل تدفق الأموال والأسلحة السعودية على نفس القبائل، وشكلت تلك الحرب على جبال اليمن بين عضوين مؤسسين للجامعة العربية (مصر والسعودية)،معولاً جديداً لهدم  فكرة القومية العربية، إذ تسببت في هزيمة حزيران عام 1967 (الحرب على جبهتين)، وكان من نتائجها احتلال شبه جزيرة سيناء، والضفة الغربية، وهضبة الجولان، والقدس زهرة المدائن، فضلاً عما حدث للاقتصاد المصري من انهيار، وتوقفت كافة مشاريع التنمية، من أجل إعادة بناء الجيش، وكان الشعار السائد (لا صوت يعلو على صوت المعركة)، وما سببه هذا الشعار للشعب المصري من تضحيات ومرارات، ذكريات تسربلت بسواد الحزن والمرارة، ما زال لها بقية طالما في العمر بقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.