سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

“متلازمة السعادة” صنعوا المعجزات بتميزهم

تقرير/ غزال العمر –

روناهي/ جل آغا- ربما يتميز أطفال متلازمة داون بصفات جسدية مغايرة لغيرهم لكنها لا تقف عائقاً أمام النجاح الذي يحققونه كونهم يمتلكون قدرات وطاقات كبيرة تخولهم الانخراط في المجتمع رغم التنمر الذي يتعرضون له
لا يوجد هناك أكبر من فرحة الأبوين عندما يرزقان بمولود جديد؛ ليتوافد المباركون ويعبر الأقارب عن مشاركة العائلة بفرحها؛ لكنّ أغلبهم إذا أخبرهم الطبيب بأنّهما رزقا بطفل متلازمة داون تقلب الموازين، وكأنّ صاعقة قد أذهلتهم، فما السبب؟ والسؤال هنا هل يؤثر التنمر الاجتماعي على مدى تقبل بعض الأسر لطفل متلازمة داون؟ ما ذنب هذا الطفل ليعيش بمجتمع ينبذه ولا يتقبله؟ أسئلة كثيرة توجهنا بها للأهالي ولمختصين نفسيين وأطباء، حول ما تعنيه هذه المتلازمة، وسببها، وتأثير التنمر عليهم وعلى عوائلهم؟
التحليل الطبي؟
من المتعارف عليه طبياً بأنّ البويضة المجهزة للقاح تحتوي على 46 صبغي مشطورة بالتساوي؛ لبويضتين تحوي كلّ منها 23 صبغي؛ لكنّ لخلل ما يصبح الانشطار غير متكافئ ليصل العدد إلى 47 صبغي؛ مما يتسبب بإنتاج أطفال يعانون من اضطرابات وتأخر عقلي يتراوح بين الخفيف جداً والمتوسط والشديد.
يولد طفل داون واحد من بين 1000- 1100 حسب الجمعية الأميركية الطبية فهم يعتبرون طفرة وراثية غير راجحة.
أما كلمة “داون” فقد نسبت إلى الطبيب البريطاني داون؛ الذي وصف في عام ١٨٦٦م؛ مجموعة من الأطفال الذين يتشابهون في الصفات الخلقية، ومنذ ذلك الوقت ارتبطت التسمية به.
يتشابه هؤلاء الأطفال، وكأنّهم إخوة في جميع أنحاء العالم؛ حيث يملكون نفس الصفات الجسدية عند الولادة، مثل ضعف البنية وارتخاء العضلات والتأخر في النمو والمشي وصعوبة في اكتساب المهارات الذهنية والنطق والتخاطب، وعندما يكبرون يظهر الشبه بشكل أكبر؛ فهناك بعض العلامات الجسدية المميزة التي نجدها في أغلب أطفال متلازمة داون، ومنها: عيون صغيرة ورقبة قصيرة وخطوط يد ناقصة، ولسان عريض؛ وبعض التشوهات الخلقية في القلب واضطرابات في جهاز الهضم، لكنّها صفات لا تنهي حياة أشخاص يستحقون كل الحب والحياة.
“الطفل السعيد”
وللتعرف عما يتميز به أطفال متلازمة “الحب والسعادة”، التقينا بدايةً بالاستشاري النفسي ومدير مركز هيفي للاستشارات النفسية بكركي لكي الدكتور صباح عبد الرحمن، الذي أكد بأنّ هذه الفئة تتميز بالمرح والفرح، ويطلق عليهم طبياً ونفسياً لقب “الطفل السعيد” لما يتميزون به من روح الدعابة وحب الموسيقا؛ عدا عن الطاقة الإيجابية التي يبعثونها للمحيطين بهم، بحسب عبد الرحمن.
هذا وقد التقينا في السياق ذاته بالأم “هـ-ع” ذات الأربعين عاماً من أهالي ناحية جل آغا، وهي والدة لطفل متلازمة داون في عامه العاشر، تقول عن ردة فعلها عند معرفتها بأن طفلها ثبت طبياً بأنه من متلازمة داون: “لم أعترض وأنفر منه فهو ابني، لكني شعرت بثقل كيف سأواجه الناس بحقيقة طفلي في ظل نظرة مجتمعنا الخاطئة لهؤلاء الأطفال”. مؤكدةً بأن طفلها جميل جداً، وأن عاطفتها كأم جعلتها تتمسك به أكثر وأنها تعامله كأخوته تماماً ولا تفرق بينهم.
وعن نظرة التنمر من المحيطين بها، بينت بأنها تعاني من نظرة الناس الدونية لابنها، الذي تتابع تعليمه بنفسها مستعينةً بأبحاث وأخصائيين نفسيين، وأشارت الأم: “أرى له مستقبلاً زاهراً فهو يحب التعلم وأتوسم به خيراً”.
لنحارب المتنمرين..
وعن هذا الوباء الاجتماعي ألا وهو التنمر بحق الأشخاص من متلازمة داون يقول الأخصائي النفسي الدكتور صباح عبد الرحمن الاستشاري النفسي، بأنّ مجتمعنا لا زال يرفض تقبل هؤلاء الأشخاص ووجودهم واعتبارهم شركاء حياة لنا.
وأضاف: “المجتمع ينظر بشفقة للعائلة التي تملك طفل داون، ويصل الأمر بالبعض إلى عدم الأكل والشرب في بيت لديه طفل داون، إما خوفاً أو تكبراً وتعالياً؛ مما يسبب حرجا لذويه”.
وحول المراكز التي ترعى هؤلاء الأطفال أشار عبد الرحمن بأنه لا يتوفر إلا مراكز قليلة لرعاية مثل هذه الحالات؛ فعلى مستوى مدينة قامشلو لا يتوفر سوى مركز عام وحيد وهو “دار عالم الطفولة”، والعمل جارٍ على تأهيل مركز آخر لهم من قبل هيئة العمل والشؤون الاجتماعية بإقليم الجزيرة، وبعض المراكز الخاصة، ليخطو مركز هيفي على خطاه في كركي لكي، ويفتح أبوابه لمثل هؤلاء الأشخاص.
وعن الخدمات في مركز هيفي وضح عبد الرحمن بأنّهم يقدمون الخدمات للشخص حسب درجة مرضه؛ حيث يتم تصنيف حالته أولاً من خفيف لمتوسط فجيد.
“هم متلازمة وليسوا أزمة هم نعمة وليسوا نقمة؛ لننصفهم ونكون عوناً لهم لا عليهم؛ ولنبتعد عن التنمر ليستطيعوا أن يثبتوا أنفسهم ضمن المجتمع”، بهذه الكلمات أجمع الأطباء على مدى أهمية الاهتمام، وتقديم الرعاية الطبية والنفسية، ودمج هؤلاء الأشخاص مع أقرانهم في المدارس والحدائق والشوارع، ومعاملتهم كأشخاص لا ينقصهم شيء، بل هم مميزون؛ فقد أثبتت الدراسات بأنّهم ربما يعانون من تأخر في النطق؛ لكنّهم قادرون ومستعدون للتعلم لو تأهلوا بشكلٍ جيد.
يصنعون المعجزات
وتأكيداً لكلام الأطباء وجدنا بأن وسائل التواصل الاجتماعي ضجت مؤخراً بقصة شابة مصرية تعاني من متلازمة داون؛ “سما رامي” فتاة مصرية؛ تبلغ من العمر إحدى وعشرين سنة؛ نجحت بإيصال صوتها لمسامع المعنيين وحصلت على 90 بالمئة في الشهادة الثانوية؛ لتدخل الجامعة قسم علم الاجتماع، لتكون هدية نجاحها إزالة كلمة “البله المنغولي” من منهاج دولتها واستبداله بمتلازمة داون.
“سما رامي”؛  كسرت كل القيود، وأثبتت بأنّها ورفاقها لا يختلفون بشيء عن الآخرين بل على العكس تماماً هم مميزون.
سفيرة للنوايا الحسنة
“نحن رمز للتفاؤل المتحرك ننشر السعادة بكلّ مكان؛ فنحن نتاجر بالأمل ونمنحه لكم دون ثمن؛ فكونوا معنا لا علينا؛ تفرغوا لإيجاد علاج لكورونا وليس لنا؛ فنحن لسنا مرضى أو ظاهرة تخجلون منها نحن نقاسمكم الحياة”؛ بهذا التفاؤل والمحبة تحدثت سما على كلّ وسائل التواصل صارخةً بوجه من يجرح ويتنبأ؛ بأنّ أعمارهم محدودة وبأنّهم سيعانون من قصور في عمل القلب ليكون ردها: “العمر مكتوب والمرضى هم الناس الذين يحددون الأعمار ويتدخلون بهم، وليس من لديهم داون”. وهذه الشابة الشجاعة كرمت، وترقت كسفيرة للنوايا الحسنة، وهي سعيدة بإنجازها، حسب كلامها.
الحياة ليست حكراً على أحد وليست ملك أحد، تقبلوهم وتقربوا منهم؛ ساندوهم فهم متلازمة السعادة والتميز؛ شاطروهم الحياة فهي جميلة بوجودهم؛ لا تخجلوا أيها الآباء من أولادكم دعوهم يروا النور؛ فالظلام لا يليق بأمثالهم؛ فهم ليسوا عبئاً بل هم هدايا قيمة جداً لا تقدر بثمن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.