كوثر مارديني
النظافة أول درج نعتليه للوصول إلى الحضارة فهي دليل الرقي والازدهار لأنها تبهج النفس وتزيل كآبة القلوب، وهي دليل حبنا للحياة وعنوانٌ لنا نُعرف به بين أهلنا ومعارفنا، والشعب الذي يهتم بالنظافة شعب عظيم لأنها عجلة تقدمه.

لذا كان من الواجب على كل فرد من أبناء هذا الوطن المشاركة في الاهتمام بنظافة مدنه وقراه ولكن وبكل أسف ما نراه في شوارعنا وحدائقنا وساحاتنا تتحدث بعكس هذا تماماً، وكأنّ كلَّ فرد يتقصد تلويث المكان الذي يعيش فيه أو كلّ مكان يمر به، فأكياس القمامة وأكوامها تملأ الأرصفة والمنصفات وأمام البيوت وفي الساحات، والروائح الكريهة المنبعثة منها تملأ الأجواء فتجعل المكان بائساً ومتشائماً، وكل واحد يلقي اللوم على الآخر، ولا أحد يعترف أن من واجبه أيضاً الاهتمام بنظافة مدينته، فأكياس القمامة التي يجب ألّا تخرج من المنزل إلّا عند مرور سيارة القمامة تضعها النساء أمام المنزل قبل موعد السيارة بساعات أو قبله بيوم فتأتي القطط والكلاب الشاردة وتمزق تلك الأكياس وتبعثر القمامة في الشارع وعلى الرصيف وعند مرور السيارة يحمل العامل الكيس فقط ويترك تلك القمامة على الأرض دون أن يكلّف نفسه بجمعها ورميها في السيارة، وما يلفت الانتباه هي تلك العادة الغريبة والمثيرة للاستغراب عادة النسوة اللواتي يخرجن من بيوتهنّ ويضعن أكياس القمامة وبكلِّ برود ولا مبالاة على الرصيف أو في منصّف الشارع بجانب أشجاره بعد أن تكون سيارة القمامة قد نظفت الشارع والمنصف، فالمهم لدى بعض المواطنين نظافة منازلهم فقط، ولا شأن لهم بالشارع والرصيف حتى لو غرق البلد بالقمامة فهو ليس من شأنهم ولا من واجبهم بالرغم من معرفتهم بموعد قدوم عمال النظافة.
أما عمالنا الأعزاء الغاضبون دوماً والمستعجلون مع سيارتهم التي تكون دوماً مليئة بجبلٍ من القمامة فيكون اثنان منهما يمشيان بجانب السيارة ليلتقطا الأكياس ويرموها في السيارة وأي رميةٍ يرمون وكأنهم يلعبون كرة السلة فيحملون الأكياس كلّ واحدٍ منهم من جهة ويرمونها فإما أن تدخل السيارة فيرتاح الأهالي ويتنفسون الصعداء أو يخطأ الهدف فيقع الكيس في الجهة الأخرى، ولا يكلّف نفسه ويحمله مرة أخرى بل يتركه ملقى على الأرض وتمشي السيارة والعمال تاركين القمامة على الأرض فهم قد قاموا بما عليهم لكن الكيس لم يدخل الهدف، وهذا ليس ذنبهم ولا يقوم أحد من الأهالي بحمل مكنسته وإزالة تلك القمامة من الشارع أو من أمام بيته بل يتركونها أمام عجلات السيارات لتتبعثر هنا وهناك فتزيد من بؤس الشارع والحارة. أحياناً يأتي عمال النظافة يحملون المكانس فنستبشر خيراً لأن شارعنا سينظف قليلاً ولكن بعد أن نراهم كيف يعملون نفقد الأمل في رؤية شارع نظيف، فالعامل منهم يمسك المكنسة ويجمع التراب والأوراق من حافة الرصيف ويجعلها أكواماً ويتركها أو يأخذ التراب بمكنسته من جهة إلى أخرى بحيث تظهر آثار المكنسة على الأرض و ليشاهد الناس أن عمال البلدية مرُّوا من هنا وهذه آثار مكانسهم، أمّا أكوام التراب التي جمعوها والأعشاب اليابسة في المنصفات والأوراق المكومة فتترك لعدة أيام إلى أن ترجع مرة أخرى وتتناثر في الشارع والمنصف وعلى الرصيف.
لو تكلمنا لطال الحديث أياماً ولكن إلى متى سنبقى نحلم بشوارع وأرصفة نظيفة نحلم بساحات وحدائق نظيفة، لماذا نتحسّر على نظافة أوربا وشعبنا عندما يهاجر إليها يتقيد بقوانين النظافة فيها؟ لماذا هنا في بلدنا لا نتقيد بنظافته؟ لماذا الكل غافل عن نظافة بلده ونسي أن النظافة هي السور الذي يحمي البيت والبلد من الأمراض؟ لماذا لا نزرع الأشجار والورود في المنصفات بدلاً من أكياس القمامة، لماذا لا نزرع الأزهار العطرة أمام بيوتنا بدلاً عنها، لماذا لا تنتشر روائح تلك الورود من شوارعنا بدلاً من الروائح الكريهة المنبعثة من القمامة، لماذا لا يحمل كل واحد منا مكنسة وينظف أمام منزله ليصبح الشارع كله نظيفاً، لماذا لا يكون هناك مراقب عمل لعمال النظافة يوجههم ويرشدهم وينبّه المتكاسل والمتقاعس في عمله، لماذا لا يعاقب المخالف لقوانين البلدية، لماذا هذا التساهل مع من لا يقوم بواجبه وعمله على أكمل وجه؟
وإلى متى سيبقى أحدنا ينظر إلى الآخر ليقوم بالعمل بدلاً عنه أو ينتظر أن يُنزل الله أحداً من السماء ليعمل عنه، ولا يعلم أن أدنى درجات الإيمان هي [ إماطة الأذى عن الطريق ] فإذا أردنا أن يكون مجتمعنا عظيماً وأن نسير به في طريق الازدهار والحضارة فعلينا أن نبدأ بالنظافة أولاً لأنها المرآة التي تعكس مدى قدرتنا على مواكبة الحضارة، وإذا انتشرت النظافة في مجتمعنا فإنه سيبلغ درجات الكمال في أناقته وطريقة تنظيم مدنه بشوارعه وحدائقه ونضارة مستشفياته، لذلك كان من الواجب علينا القيام بحملات النظافة وليشارك بها كل أفراد المجتمع وكلٌّ حسب قدرته، ولتشارك كل المؤسسات في تنظيف المدينة، فبالعمل الجماعي والتعاون فقط نستطيع تنظيف بلدنا لأن النظافة سلوك وعادة ينبغي أن نتحلّى بها.




