سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

كوبكلي تبه (2)   (ما بين مانيفستو الحضارة الديمقراطية وتقارير البعثة العاملة وآراء الباحثين)

رستم عبدو –

 يتساءل الكثير من العلماء عن كيفية قيام أناس بدائيين بقطع ونحت ونقل كميات كبيرة من الحجارة من مسافات تبعد عن الموقع قرابة 1 ميل مربع، وتشييد مبان وفق أطر هندسية وبهذا الحجم، وبدون العلوم العصرية كالرياضيات والفيزياء، وبدون استخدام الآلات والأدوات التي تلزم لنقلها ورفعها ونحتها.
 كما أن بناء منشآت عملاقة بهذه الشاكلة يتطلب قوة بشرية كبيرة يتجاوز أعداداً من الناس الذين كانوا يعيشون في مجموعة واحدة للصيادين في تلك الفترة وكذلك يتطلب الحذر والتخطيط والتنسيق وتأمين كميات كبيرة من الطعام بما يتوافق مع المجموع الهائل للعمال والتي ربما لم يكن تأمينها بهذه السهولة آنذاك.
يقول شميدت: «إن أكثر من 500 شخص شاركوا في عمليات قطع ونقل هذه الحجارة من المقالع» (بالإضافة إلى وجود أعداد هائلة من الصيادين (العمال) الذين شاركوا في بناء أو إقامة هذه الأضرحة، ويذهب هاوبتمان إلى القول عن وجود رجال دين كانوا يراقبون هذا العمل ويشرفون على تنظيمه, أما أوجلان فيقول “إن أولئك الذين بنوا المعابد لم يكونوا بدائيين كما يعتقد البعض بل كيانات اجتماعية راقية للغاية”، ويذهب الباحثون إلى الاعتقاد بوجود تقسيمات في العمل ما بين مشرفين وموظفين وعمال ونحاتون وأشخاص مخصصون لتقديم الطعام والشراب.
 نُحتت على الأعمدة المركزية الأذرع والأيدي وكذلك الحلي كالخواتم والعقود وخطوط توحي وكأنها ملابس, وكان الجزء العلوي يمثل الرأس بالرغم من عدم وجود ملامح واضحة للوجه كالعيون والفم والأنف، فيما يمثل الجزء المتبقي من العامود كامل البدن.. الأمر الذي دفع بعض الباحثين للقول بأنها كانت تمثل زوجاً من البشر، فيما ذهب البعض الآخر إلى أن الأعمدة المركزية تعتبر آلهة رئيسية فيما يكون ما تبقى من الأعمدة الأصغر حجماً آلهة ثانوية، ولكنهما آلهة بدون هوية، كذلك يأتي تموضع العمودين المركزيين في الوسط بهذه الطريقة لغايات فلكية, كما يقول الباحث الإيطالي جوليو ماجيلي.
نُحتت باقي الأعمدة بزخارف حيوانية مفترسة كالقطط البرية والأسود والضباع والطيور الجارحة والعناكب والأفاعي أو الثعابين التي بدت صورها أكثر انتشارا على المنحوتات فقد ظهرت بشكل مفرد أو ضمن مجموعة بشكل متواز أشبه ما يكون بالأمواج، وهي بالمجمل ثعابين سمينة وقصيرة وكانت هذه الأفاعي أحياناً برأسين اثنين واحدة من كل طرف, إلى جانب تصوير حيوانات أخرى كالثعالب, التي بدت مقدسة في تلك الفترة إلى جانب الثعبان, والخنازير البرية والغزلان والثيران والماشية، والحمير البرية كذلك نُحتت صور قرص الشمس مركبة (إنسان وحيوان) يؤكد شميدت أنها إبداعات لثقافات لاحقة.
إن تقديس هذه الحيوانات وعلى رأسها الثعبان والثعلب في تلك الفترة يتوافق مع ما قاله أوجلان على أن “كل عشيرة من العشائر اختارت حيواناً معيناً رمزاً أو طوطماً لها، ويضيف قائلاً “أن الطوطم6 يمثل شكلاً من أشكال الوعي ويشير إلى تقديس وإجلال القبيلة لذاتها وبالتالي يعبر عن طموحها للوصول إلى حياة آمنة طويلة الأمد.
يذكر أنه اكتشفت في الموقع تماثيل حجرية أخرى بهيئة رؤوس بشرية مشابهة لتلك التي وجدت في تل الغزال بالأردن وتل أسود في سوريا وموقع آخر في فلسطين, حيث يعتقد العلماء أن وجود هذه التماثيل أو الرؤوس في كوبكلي تبه يدل على أنها تختلف من حيث الوظيفة عن  الأعمدة التي على شكل حرف T التي تعتبر الطاقة الأقوى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.