عدنان الدوسري
تدور الأرضُ تحت قدميَّ كسكرانَ لم أعد أقوى على حملِ ثقلِ الذكريات. بدأت أتهاوى على أريكتي الصغيرة، كطيرٍ جريحٍ يحاولُ أن يجمعَ ريشَه المتناثرَ في مهبِّ الريح. أصابعي المتعبةُ تتلمسُ الهاتفِ بترددٍ، كأنها تبحثُ عن خلاصٍ أخيرٍ في متاهةِ هذا الليلِ الطويل. ترتجفُ كفراشةٍ حاصرها البرد، تبحث عن رقمٍ واحدٍ: قسم الطوارئ للمستشفى. تمرُّ اللحظاتُ ثقيلةً كالحجارةِ على صدري، وشهيقُ أنفاسي يقطعُ حبالَ رئتيَّ كسكينٍ بارد. أسمعُ صوتَ تنهداتي، ذلك الصوتَ الذي يعلو وينخفضُ كموجِ بحرٍ هائجٍ يصرخُ في صمت.
تأتي سيارةُ الإسعافِ كشبحٍ أبيضَ يطلُّ من ظلامِ الشارع. يحملونني بلطفٍ، وكأنهم يخشون أن أتحولَ إلى ترابٍ وأتلاشى بين أيديهم. الحمالةُ تفرشُ لي أحضانَها، كأمٍّ حنونٍ تحتضنُ طفلَها للمرةِ الأخيرة. تمرُّ اللحظاتُ وأنا أعيشُها بكلِّ ثقلِها، لأولِ مرةٍ أشعرُ أني لستُ سيدَ الموقف، بل مجردُ دميةٍ في مسرحِ القدر.
تتجولُ بي السيارةُ بين الأرصفةِ الخرسانيةِ التي تحدقُ بي بنظراتٍ صامتةٍ، كأنها تسأل:
ـ هل ستعودُ متسكعاً بيننا كما كنتَ؟ هل سنراكَ مرةً أخرى تطأُ حذاؤك البالي هذا الرصيف؟
لكنَّ الأرصفةَ لا تعرفُ أني قد لا أعود.
أنَّ هناك أمراً غيرَ متوقعٍ ينتظرني، ربما يكونُ الموتُ، أو ربما يكونُ اختباراً آخرَ من اختباراتِ الحياةِ القاسية.
أخرجُ من دائرةِ الموتِ المحتمِ، بعد أن نُزعتْ مني أوراقُ أيامي كصحائفَ مهترئة. أشعرُ ببصيصِ نورٍ يتسللُ إلى عينيَّ، كشمعةٍ صغيرةٍ تُضاءُ في كهفٍ مظلم. النورُ يروي لذاكرتي حكاياتٍ كنتُ قد خبأتها في زوايا روحي، حكاياتِ عشقٍ وخيبات أمل، وأسئلةٍ لم أجد لها إجابات.
أحسُّ بلسعةِ المصلِ وهو يتسربُ إلى دمي، كأفعى تلدغُ ببطء. المنديلُ الباردُ يمرُّ على جبهتي، يمسحُ عرقي ويروي ظمأَ لحظاتي الضبابية. أنظرُ حولي، أبحثُ عن وجهٍ مألوفٍ، لكني لا أجدُ سوى نظراتٍ غريبةٍ ترمقني كأني بقايا إنسان. هل أصبحتُ مثلَ نخلِ العراقِ الذي جُرِّدَ من رطبهِ وظلَّ يقفُ وحيداً في مواجهةِ العواصف؟
أصبحتُ مجردَ جسدٍ يُجرُّ على نقالةِ المرضى، كحزمةِ قشٍّ في طريقِها إلى المجهول. نبضُ قلبي يخفتُ تدريجياً، كساعةٍ رمليةٍ تقتربُ من نهايتها. أتساءل: هل سأموتُ واقفاً في غربتي؟
هل سأرحلُ وحيداً بين جدرانٍ صماء، مودعاً كلَّ لحظاتي الجميلةِ التي مرتْ كالحلم؟
الآنَ عرفت السرَّ:
سأموتُ وحيداً. لا أحدَ يعرفُ عني شيئاً. كأننا نذرنا حياتَنا بلا مقابل، وكأننا مجردُ ظلالٍ عابرةٍ في زمنٍ لا يرحم. ألمسُ يداً مجهولةً، ربما تكونُ آخرَ ما ألمسُه في هذه الحياة. يدٌ دافئةٌ، لكنها تحملُ في دفئها لوعةَ الوداع. يضعونَ الكمامةَ على وجهي، وأنا أستنشقُ الهواءَ الباردَ كأنه لصٌّ يسرقُ أنفاسي. أغمضُ عينيّ، مودعاً الزمنَ الذي لم يعدْ لي. لا أشعرُ بشيءٍ سوى ثقلِ الساعاتِ التي تتدفقُ خارجَ نطاقِ الوقت.
يُرمى جسدي المرهقُ على سريرِ المستشفى الأبيض، كجثةٍ لا تحملُ سوى ذكرياتٍ باهتة. الدموعُ الساخنةُ تنهمرُ من عينيّ المتعبتين، لكنَّ لا أحداً يراها. توقظني الشمسُ من تأثيرِ المخدر، فأجدُ نفسي محاطاً بأسلاكِ وأجهزةٍ تطنُّ كجرادِ الليل. كنتُ أرددُ اسمها طوالَ الوقت، حتى صارَ اسمها نشيداً يترددُ في جنباتِ الغرفة.
قالتْ لي الممرضةُ:
ـ كم تعشقها إذن!
وأنا أرددُ في سرّي:
ـ إني قادمٌ إليكِ… انتظريني.
كنتُ أسميها ((درتي)) كجوهرةٍ أخفيتها في أعماقي. أحاولُ أن أكتبَ لها كلماتي، لكنّ يدايَ لا تطاوعانني. فأرسمُ الحروفَ على جدرانِ الغرفةِ بخيالي، كطفلٍ يخافُ أن ينسى أحلامَه.
لن أسمحَ للموتِ أن يأخذَكِ مني… لقد وعدتِني أنكِ ستبقين معي.
هكذا قالتْ لي قبلَ أيام من موتها.
أغفو مرةً أخرى، فأحلمُ بها. أمدُّ يدي لألمسَ وجهَها تحتَ قطعِ الغيومِ الباردة. لكنَّ الممرضةَ تنهرني:
ـ أيقظْ من سباتِك!
أفتحُ عينيّ مرعوباً، كأنما سرقوا مني أحلامي. الزمنُ يلعبُ بي، يضعني في محطاتٍ لا أعرفُها. هل أشتري شموعاً بعددِ سنينِ عمري الباقية؟ هل ما زلتُ معلقاً على سطورِ الدهشةِ والانفعال، كشاعرٍ لم يجدْ كلماتِه بعد؟
تقف الدكتورة بجانبي، وتقول بلهفة.
إنك تمطرُ عشقاً كصاحبِك السياب؟
أبتسمُ، فأرسمُ ابتسامتي على جهازِ تخطيطِ القلب. لكنها تختفي فجأةً، كشبحٍ في ضوءِ النهار.
أسمعُ آذانَ الظهر، فأتساءل:
ـ كم من الوقتِ مضى وأنا هنا؟ أحاولُ أن ألمَّ ما تبقى من ذاكرتي، لكنَّ الأشكالَ تتباعدُ، والحروفَ تتطايرُ كفراشاتٍ مذعورة.
ثمَّ يأتي الألمُ، يخترقُ صدري كسيفٍ من نار. أحاولُ أن أصرخَ باسمها، لكنّ لساني يخذلني. أقعُ على الأرضِ بلا حراك.
إنه حيٌ! لقد عاد إلينا!”
سمعتُ صرخاتِ الممرضاتِ من حولي، لكن عينيّ كانتا تبحثان عن شيءٍ آخر.. عن وجهٍ حبيب.. عن وطنٍ بعيد..
لكن كل ما رأيته هو جدرانُ المستشفى البيضاء..
وأدركتُ حينها حقيقةً مرةً:
الغربةُ ليست مكاناً.. الغربةُ هي أن تموتَ ألفَ مرةٍ ولا يسمعُ أحدٌ صراخك.. وأصرخ
هل أطيلُ المكوث؟
سؤالٌ ظلّ يلاحقني كل يوم..
فقد طالَ المدى..
وأبطأتِ الشمسُ..
ولم تأتِ..
أيها القارئ.. بعد ما تمر عيناك على هذه السطور، اعلم أنك تلمس جرحاً نازفاً في روح إنسانٍ عاش كل كلمة هنا. هذه ليست حكايةً من نسج الخيال، بل هي شظايا قلبٍ نُثرت على هذه الصفحات بعد أن تكسر في منفاه البارد.