مزكين غورسيه –
تُشير التحركات الميدانية للجيش السوري وحلفائه في إدلب مقابل استمرار تدفق الجنود الأتراك، إلى احتمالية حدوث تصعيد عسكري آخر، لدرجة تصادم روسي تركي، وانهيار اتفاق وقف إطلاق النار في منطقة خفض التصعيد المبرم العام الماضي، لتبدأ الأخيرة بالمراهنات على عامل الوقت عبر توجيه التهديد المباشر باقتحام مدينة حلب على لسان قائد الجيش الثاني في تركيا الجنرال “سنان يايلا”.
ووفق المعطيات الميدانية اليوم، تكمن الخاصرة الرخوة لمدينة حلب في منطقتي الباب وتل رفعت التي يحكمها وقف إطلاق نار ضمني بين روسيا وتركيا، وقال قائد الجيش الثاني التركي يوم الاثنين أن القوات التركية في سوريا ليست قوات مراقبة، مشدداً على أنها “قوات حرب”، وقال: “إذا تدخل الجيش الثاني في سوريا، فسيكون الهدف “مدينة حلب”، وهو ما يعيد للواجهة تهديدات تركية باقتحام مدينة تل رفعت (35 كم شمال مدينة حلب) في نيسان العام المنصرم بالتزامن مع عمليات الجيش السوري في محور إدلب الغربي.
ويتخوف مهجري عفرين القاطنين في تلك الرقعة الجغرافية من توصل أنقرة وموسكو إلى اتفاق شبيه بذلك الحاصل في عفرين مطلع 2018، حينما سحبت روسيا عناصرها من المدينة وفسحت المجال للغزو التركي مقابل ممارسة تركيا نفوذها على الفصائل المسلحة للانسحاب من الغوطة الشرقية وحمص.
أهمية تل رفعت لثلاثي آستانة
وتقع مدينة تل رفعت في مثلث تتوزع فيه قوات ضامني آستانة على الأرض السورية، إضافة للوجود الكردي المتمثل بمهجري عفرين، ويبلغ عددهم في تلك الرقعة الجغرافية المعروفة بالشهباء زهاء مئة ألف نسمة، وتتوزع نقاط مراقبة روسية، وسط انتشار قطعات للجيش السوري المطعم بقوات إيرانية ومجموعات محلية موالية لها، على طول جبهات مع القوات التركية وفصائلها المسلحة.
وتشكل تل رفعت والخط الممتدة من بلدتي نبل والزهراء وصولاً لريف الباب ومنبج، منطقة استراتيجية لإيران وروسيا، وتركيا معاً، إذ تحاول روسيا إعادة فتح الطرق التجارية والسيطرة على معبر باب السلام في إعزاز وهنا يشكل طريق “غازي عنتاب- حلب” أهمية قصوى لها، في حين تحاول إيران الحفاظ على نفوذها في بلدتي نبل والزهراء اللتان تشكلان نقطة ارتكاز لها للتغلغل في حلب والوصول لإدلب.
أما تركيا فتحاول عبر ترويجها المتكرر لمهاجمة تل رفعت، إعادة شحن الفصائل الموالية لها، والتي شاركت في غزو عفرين مقابل إعادة تركيا سيطرتها على مناطق بريف حلب وشرق الفرات، وضرب المشروع الكردي في سوريا ومحاولة إبادته بكل السبل الممكنة.
فتداخل مصالح ثلاثي آستانة في ريف حلب الشمالي وإدلب، يفتح الباب لاحتمالات عدة، لكن ما هو موقف الحكومة السورية من مخاوف أهالي الشهباء ونازحي عفرين؟!.
وجود نازحي عفرين في “الشهباء” يغير الموازين
إذ يرى المحامي علاء الدين الخالد المستشار العام لحزب التحالف الوطني الديمقراطي في سوريا إن الوضع في الشمال السوري، تُسيطر عليه توازنات مُحكمة ودقيقة، مبنية على تبادل المصالح فيما بين روسيا وتركيا وإيران.
مستبعداً حدوث أي مساومات بين أطراف الصراع في إدلب على حساب مناطق أخرى وخاصة تل رفعت نظراً للمصالح السياسية والعسكرية التكتيكية التي تجمع هذه القوى لمواجهة، “التمدد التركي ومرتزقته الهادف لإعادة أمجاد الخلافة العثمانية وتنفيذ بنود الميثاق الملي”.
كذلك يوضح المحامي علاء الدين المُقيم في الشهباء والمطلع على أرض الواقع، مدى استفادة إيران من الوضع القائم هناك، وأن انتشار قوات الحكومة السورية في تلك المنطقة جاءت بفضل الدعم الإيراني العلني عسكرياً وسياسياً ولوجستياً، واستقوائها بأهالي عفرين المهجرين قسرياً والذين تشبثوا بصمودهم في مناطق الشهباء بالقرب من عفرين رغم عدم رضاء الروس بذلك في بداية الأمر، إضافة لتهرب تركيا من التزاماتها بتنفيذ بنود ومخرجات أستانة بما يخص منطقة خفض التصعيد.
هنا يرجح “الخالد” أن مسألة أمان وسلامة تل رفعت ومحيطها قد حسمت بالقول: “إيران وسوريا غيرت الاتفاق التركي الروسي في تل رفعت إلى اتفاق إيراني روسي من خلال استثمارها لوجود مهجري عفرين وأهالي مناطق الشهباء وقوات تحرير عفرين هناك كعوامل لتقوية وجودهما في المنطقة والحصول على ضمانات روسية تمنع تركيا وإرهابيها من أي تصعيد عسكري في تل رفعت وبلدتي نبل والزهراء الشيعتين لاعتبارها خط دفاع لمدينة حلب وريفها وأمن مدينتي نبل والزهراء أيضاً”.
“روسيا وصلت إلى قناعة بأن أي مقايضة أخرى مع تركيا سوف تجلب لها المتاعب أكثر بكثير من المكاسب”، بهذا يستبعد “الخالد” قيام روسيا بأي مقايضات جديدة “قد تؤدي لاندلاع حرب مباشرة بين إيران وتركيا تفسح المجال لقوى دولية أخرى الولوج للمنطقة”، متابعاً “أن أي تقدم تركي، يعتبر إنجازاً لحلف الناتو عامةً، على حساب التواجد الروسي”، لذا يستبعد الخالد انسحاباً إيرانياً وشيكاً من سوريا أو على الأقل من حلب ومحيطها رغم الضغوطات الأمريكية والإسرائيلية والرضى الضمني لروسيا.
“روسيا لا تراعي المصالح السورية”
مصطفى قلعجي، أمين عام حزب التغيير والنهضة السوري وعضو وفد جنيف، يصف أي عملية مقايضة بين روسيا وتركيا مستقبلاً إن حدثت بـ”التواطؤ الروسي مع تركيا”، مبيناً أن روسيا تفضل مصالحها مع تركيا على التحالف السوري الروسي، “لذلك نجد الروس لا يتحركون لنصرة سورية ولا يدعمون الموقف السوري بما تتطلبه المرحلة الآن”.
والخطر الأكبر لا ينحصر في تل رفعت وحدها بحسب “قلعجي” بل يشمل منطقة الشمال السوري بكامله قائلاً: “تركيا عينها على حلب، ووفق خريطة الميثاق الملي التركي، يعني أن عينها على الرقة وادلب وحلب وجزء من ريف اللاذقية الشرقي وريف حماة الشمالي، وإن قطع المياه عن الحسكة لأكثر من عشرين يوماً يدخل في نفس المعادلة”.
أما عن نظرة الحكومة السورية لهذه التهديدات يقول: “الدولة السورية تنظر بشكل جدي لتهديدات تركيا بالحصول على ولاية حلب”، ويعتقد “قلعجي” بأن يكون للحكومة السورية موقف مغاير عن حليفها الروسي لأجل حماية حلب، “قبول الدولة السورية بمقايضات جديدة، يضع مدينة حلب تحت الخطر الحقيقي من طموح أردوغان، ولهذا تركيا تُصر على ترك نقاط المراقبة الموجودة في سراقب والمعرة وخان شيخون لتمارس الابتزاز السياسي والعسكري على حلفائها في أستانة وعلى الدولة السورية”.
عموماً تبقى مسألة الأزمات المتكررة والمتناقضة التي تعصف بالبلاد منذ تسع سنوات، مرتبطةً بعدم استعداد أي طرف من أطراف الصراع التي تداخلت في الشأن السوري أساساً بحجة إيجاد حل سياسي للأزمة السورية لتفضيل مصلحة الشعب السوري على مصالح دولهم، بل استثمروا ساحة الحرب السورية لتمرير أجنداتها.