No Result
View All Result
تقرير/ غزال العمر –
روناهي/ جل آغا- موروثٌ ومعتقد خاطئ يتمسك به البعض بحجة ضمان استمرار نسل العائلة، والحفاظ على إرثها ضمن إطار الأسرة الواحدة؛ فيتدمر جيل لا ذنب له إلا أنه ضحية أفكار لا تمد للمنطق بصلة، فما معنى حفاظك على إرثك وطفلك يعاني أمام عينيك بقدر اخترته له لإرضاء أنانية الأجداد، فهل سنتخلص من هذا الموروث؟؟؟
يعتبر زواج الأقارب عادة اجتماعية لا تزال شائعة؛ فهي عرفٌ وتقليدٌ قبلي سائد ومستمر ليومنا هذا رغم أن العلم والوعي الطبي يحذران من هذا الزواج بسبب اختلاط الجينات الوراثية المتشابهة عند الأبوين، مما ينعكس سلباً على حياة الأبناء الصحية والنفسية.
زواج الأقارب.. من يدفع ثمنه
انطلاقاً من أهمية هذا الموضوع وضرورة تسليط الضوء عليه كعلة من علل المجتمع القاتلة بقصد أو عن غير قصد بولادة جيل ضعيف البنية ضحية لتلك العادة؛ زارت صحيفتنا بعض العائلات التي وقعت في هذا الخطأ فدفعت ثمنه غالياً، حيث التقينا في البداية بالمواطنة “ز- ر” البالغة من العمر 38 عاماً من ريف جل آغا، ولديها طفلين أحدهما يعاني من ضمور دماغي وصغر في حجم الرأس، والآخر أبكم وأصم، وعند سؤالنا لها فيما إذا كانت حالة ولديها ترجع لأسباب وراثية، قالت: “ارتبطت بزوجي الذي تربطني به علاقة قرابة قوية فهو ابن عمي من جهة وابن خالتي من جهة أخرى، ومرض أولادي مرتبط جذرياً بهذا الأمر، كما توجد حالات مرضية وراثية في العائلة”.
الوقوع في مصيدة الأعراف
وتابعت كلامها بأنها وقعت وزوجها ضحية عادات بالية، فمنذ طفولتهما ربطت العائلتين اسميهما معاً على مبدأ “فلانة لفلان”، حسب تعبيرها.
وأضافت بأنه بالرغم من إنهما متعلمان ومثقفان ويدركان أبعاد وخطورة هذا الأمر إلا أنهما وقعا في مصيدة الأعراف التي علقتهما ببعض؛ فكانت النتيجة خوفٌ وترقب مع كل طفل يرزقان به، علماً أن لديها طفل سليم واحد إلى جانب أخويه من ذوي الاحتياجات الخاصة.
وختمت الأم “ز- ر” من ريف جل آغا كلامها بالقول: “ربما يكون المرض قدراً في معظم الحالات لكنه بالتأكيد اختياراً في زواج الأقارب”. ونصحت الجميع بالتفكير العميق، وإجراء التحاليل التي تسبق الزواج للحصول على عائلة صحية جسدياً ونفسياً.
مرض أطفالها أسبابه وراثية
وفي السياق ذاته التقينا بالمواطنة “نهلة الخلف” ذات الخمسة والأربعين عاماً من مدينة جل آغا، والأم لخمسة أطفال، ثلاثة منهم يعانون من أمراض مختلفة “اضطراب وظائف الكبد ورخاوة الأعصاب وعدم القدرة على الوقوف والشعور أيضاً، وأحدهم “كفيف” لا يبصر منذ الولادة”، حيث أكدت نهلة: “بأن الأطباء أجمعوا على إرجاع مرض أطفالي لأسباب وراثية بحتة”.
حيث تحمل نهلة نفس زمرة دم زوجها الذي يكون ابن عمها، وتابعت نهلة بأنها تعيش برضا مع وضعها وبتحدي وصبر، وتنظم وقتها بين أولادها، محاولةً تعويضهم عن أي نقص يحتاجونه.
وأردفت الأم نهلة الخلف في نهاية حديثها بالقول: “أنا عيونهم وأنا أرجلهم وأنا أيديهم، فهم قضيتي التي أعيش لأجلها في هذه الحياة”.
رأي أهل العلم والطب
هذا وقد كان للرأي الطبي عتب موجع على الأهالي، حيث أثبت الطب بأن زواج الأقارب يورث 82 مرضاً وراثياً؛ فالأخوين التوأم يتشابهون بصفاتهم الوراثية مئة بالمئة وبين الأخوة فيما بينهم ومع أبويهم خمسين بالمئة، وبين الطفل والأعمام والأخوال 25 بالمئة، وبين أولاد العمومة 12,5 بالمئة، هذا وتنقص هذه النسبة كلما بعدت صلة القرابة بين الأبوين.
هذا وقد أكد العلماء المختصون بعلم الوراثة بأن سبب انهيار وانحلال الفراعنة كان بسبب زواج الأقارب والأخوة من بعضهم إلى أن جاءت الأديان وحرمته؛ مما هدم الجيل ورجحت الجينات الوراثية المرضية التي سادت في المجتمع آنذاك.
أمريكا تمنع.. وباكستان في المطب
تحرص أمريكا على منع زواج الأقارب منعاً باتاً، حيث تعتبره جنحة، وإن حصل وأراد أحدهم الزواج من قريبته يسافر المواطن الأمريكي لبلد ثاني ويتزوجان لأنه سيعاقب ببلاده ويحاسبه القانون؛ وذلك بسبب الأمراض الناتجة عن هذا الزواج والجينات الراجحة المسببة للأمراض المتوارثة.
تعد الباكستان من الدول الأسيوية التي تشجع زواج الأقارب على عكس بريطانيا التي دخلت في تجربة علمية لمقارنة النتائج بين زواج الأقارب في باكستان وبريطانيا لتكون النتيجة صادمة حيث أن نسبة المورثات الجينية تظهر في زواج الأقارب أكثر بنسبة ثلاثة أضعاف من زواج البعيدين.
كما وأكد العلماء المختصون في مجال الوراثة بأن ثلاثة بالمئة في العالم هم مرضى وراثيون، وبأن 70 ألف طفل يولد سنوياً يعانون من مشاكل خلقية مرتبطة بالوراثة، وهذه أرقام ليست سهلة ولا تحتمل التجاهل.
كما أكد الأطباء على ضرورة إجراء تحاليل وفحوصات مخبرية للمورثات الجينية تحدد نسبة الجينات الراجحة، وهي بدورها تختلف عن التحاليل العادية التي تسبق الزواج والمتعارف عليها وتعتبر هذه التحاليل مكلفة للغاية؛ لأنها تقوم بتحديد نسبة الأمراض، ويترك عندها الخيار للشخصين بالارتباط وعدمه.
إلى كل من يفكر بإرضاء جده وجدته أمه وأبيه، أخرجوا من دوامة الموت والإرث الضائع المزعوم الزائل بالزواج من الغرباء؛ فمن منكم يريد أن يتحول الطفل الذي يحلم به طوال حياته من أمل يعيش لأجله لمأساة بسبب هذا العرف الذي يكون أغلب نتائجه قاتلة.
No Result
View All Result