No Result
View All Result
تقرير/ غزال العمر –
روناهي/ جل آغا- “عامل النظافة- عامل البلدية – مهندس الصحة”، تسميات تطلق على الشخص الذي ينظف الأحياء والشوارع في كل بلدان العالم لتنحني له الهامات إجلالاً وتقديراً لعمله في بعض الدول فيما يكافئ بكلمات جارحة في دول أخرى تحط من مكانته فهل يستحق منا أشخاص يعرضون حياتهم للخطر خاصة في زمن انتشار كورونا هذا التنمر؟
مهنة عمال النظافة تعتبر من أعظم الأعمال عند دولٍ بلغت من التطور ما بلغته كاليابان وبريطانيا وألمانيا وأمريكا؛ لكنها في مجتمعاتنا لا يزال عمل لا يرضي أحد والإقبال عليه ضعيف نتيجة للنظرة الاجتماعية الدونية، فهل سيأتي يوم تنصف مجتمعاتنا الشرقية هؤلاء الأشخاص، ويأخذ هذا العمل احترامه وحقه المعاشي وتأمينه كما يجب؟.
محاربة مرض عدوه النظافة
انطلاقاً من أهمية هذا العمل، وقدسيته شاركنا عمال النظافة في شوارع ناحية جل آغا يومهم خلال علمهم، حيث خلت الشوارع إلا من أصوات مكانسهم التي ملأت المدينة فكان لنا لقاءً وحديث معهم؛ المواطن “ح- ع” شاب يبلغ من العمر ثلاثين عاماً من أهالي ريف جل آغا الغربي يعمل في هذه المهنة منذ زمن طويل حيث قال: “النظافة تحتاج لأشخاصٍ يعرفون معناها وأنا فخور بعملي”. بهذه الكلمات بدأ “ح –ع “حديثه معنا.
ليتابع بالقول: “مهنتنا عبارة عن تضحية في هذه الأيام، فمن يستطيع القيام بهذا العمل في زمن كورونا؟، وهذا من أبسط دواعي الواجب؛ فهل من المعقول أن نجلس في بيوتنا ونترك القمامة تملأ الأرجاء ونحن نحارب مرض عدوه النظافة”.
“أثر عملي على حياتي الاجتماعية”
أما عن نظرة المجتمع له كعامل نظافة فقد قال: “أثر هذا العمل على حياتي الاجتماعية والشخصية، حيث وجدت صعوبة في الزواج كوني أعمل بهذه المهنة”.
وأردف بالقول: “لكن أخيراً تزوجت، ولدي طفلين، أشعر بعتب شديد عندما أسمع من الناس كلمة أبناء الزبال أو الكناس؛ فلا يوجد عار في عملي لكي ينادوا أولادي بهذا الاسم”.
وأضاف: “أتمنى أن نبتعد عن جرح بعضنا، فالزبال لم يحضر القمامة من بيته ويرميها بالشارع بل هذه مخلفات المواطنين”.
كما وأشار إلى شيء يحز في نفسه طوال فترة عمله، حيث قال: “يمر أحدهم يحمل مشروباً غازياً أو كيس بطاطا وبعد أن ينتهي منه يرميه أمامنا، وحافظة القمامة لا تبعد عنه حتى متراً واحداً، وأريد أن أعرف ما هو شعور من يتصرف هذه التصرفات، لماذا لا يتخيل والده أو أخيه أو ابنه من سيلم هذه الأشياء”.
مؤكداً بأن كل شخص يعكس تربيته، واحترامه لعمل الآخرين ويمثل نفسه؛ فحمل الكيس لا يقلل من قيمته وإنما يزيد إصراره على متابعة عمله بضمير، على حد تعبيره.
“نظافة البلد غايتنا.. ولا يهمنا المتنمرون”
أما المواطنة “خ- م” ذات الأربعين عاماً، وهي عاملة نظافة أيضاً فتقول: “اعتبر كلّ شوارع المدينة بيتي فهي مسؤوليتي”.
أما عن مشاعرها عندما تسمع كلمة “زبال أو زبالة”، فنوهت بأنها تشعر بالحرج من هذه الكلمة، وبأن نظرات السخرية التي كانت ترمقها في بداية عملها منذ عشر سنين تختلف عن الآن؛ نتيجة الوعي ومعرفة الناس وتقديرها لمصاعب الحياة؛ بحسب قولها.
وشددت بالقول: “سلامة الناس ونظافة البلد غايتنا، ولا يهمنا كلام المتنمرين”.
يعرضون حياتهم للخطر لأجل سلامة الناس
وحول صعوبات عملهم في ظل وباء كورونا قالت خ- م: “يزداد عملنا صعوبةً في أيام الحظر، ونخاف على أنفسنا عند سماعنا بالإصابات وتفشيها”.
موضحةً بأنهم يتخذون تدابير احترازية، ويلتزمون باللباس الوقائي والكمامة، والقفازات التي مع استخدام المعقمات وغسل بدلات العمل بمواد التنظيف بمجرد وصولهم للبيت وخلعها خارجاً وتعقيمها بالملح، وتعريضها للشمس.
“نحتاج لطبابة ورعاية خاصة نتيجة طبيعة عملنا”
أما عن الرواتب التي يتقاضونها فقالت: “ما نقوم به له دور مهم في نظافة البيئة وحمايتها؛ لذا يتعين وجود رعاية خاصة لنا من الكسوة وصولاً للطبابة؛ وهذا ما لمسناه من الإدارة الذاتية التي تسعى لتحسين وضعنا؛ فأحياناً نُصاب بتسممات وضربات شمس تحتاج مبالغ ومصاريف علاجية كبيرة، وفي الشتاء للرشح القوي والبرد فهذه ضريبة عملنا، ونتعامل مع كورونا كعارض وبائي لا بد أن يزول”.
بهذه الكلمات تكلم مهندسو النظافة في جل آغا عن معاناتهم التي لا نجدها في الدول المتقدمة التي تحرص على جعل هذه المهنة في مقدمة المهن التي تستحق أن تُحترم، ويُنظر لصاحبها نظرة حبٍّ واحترام؛ ففي اليابان ينتظر الشخص ثمان سنوات ليحصل على هذا العمل، ويخضع لاختبارات شفهية وكتابية ودورات تدريبية؛ كما إنه يتقاضى أعلى أجر بالنسبة للمهن الأخرى؛ حيث يصل معدل رواتبه عدا عن المكافئات والحوافز التشجيعية إلى ١٥٠ ألف دولار سنوياً وهذا ليس بالمبلغ السهل؛ حيث ينافس الطبيب والمهندس في دخله ويشترط أن يحمل “مهندس الصحة” كما أطلقوا عليه تكريماً له، الجنسية اليابانية.
رجال الأزمات لا يبخلون بحياتهم في سبيل رؤية أوطانهم ومدنهم وبلداتهم، وقُراهم جميلة ونظيفة، وذات منظر حضاري؛ فلو توقف هؤلاء الأبطال عن العمل كيف ستكون المدن؟ وكم من وباء سينتشر؟ فطوبى لكل قطرة عرق تصببت من جبينهم.


No Result
View All Result