سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

سليمان الحلبي وشمبليون

رجائي فايد –

في وسط القاهرة يقع شارعان متجاوران، أحدهما لسليمان الحلبي والثاني لشمبليون، الأول للمناضل السوري الحلبي العفريني الذي دافع عن المظلومين وقتل الفرنسي كليبر، جزاءً وفاقاً لما ارتكبه في حق الشعب المصري والأزهر الشريف ومشايخه من قتل وانتهاك حرمات، أما الثاني فهي لعالم فرنسي تمكن بعبقريته من معرفة وكشف اللغة الهيلوغروفية التي كان يتحدث ويكتبها الفراعنة، من خلال فك طلاسم حجر رشيد، الذي اكتشفته البعثة العلمية المصاحبة لحملة نابليون بونابرت على مصر، وبهذا الكشف أصبح التاريخ الفرعوني كتاباً مفتوحاً للدارسين، ولذلك نحن أمام حالتين مرتبطتين بالحملة الفرنسية على مصر التي كانت تستهدف احتلالها، الأولى بخليفة نابليون، وهو القائد كليبر، الذي لم يمتلك ذكاء نابليون، فكان قاتلاً منتهكا للحرمات والمقدسات، بعكس سلفه الذي سعى لاستمالة المصريين، بل أشاع بأنه مال إلى الإسلام. أما الحالة الثانية المرتبطة بالحملة، هي حرص نابليون على اصطحاب بعثة علمية كي تطلع على واقع هذا الشعب وتحاول اكتشاف أسرار تاريخه توطئة لاستعماره طويلاً، وتشكلت تلك البعثة العلمية من أكثر من 150 عالماً في مختلف العلوم، وأصبح هؤلاء البذرة الجنينية للمجمع العلمي المصري (على غرار المجمع العلمي الفرنسي)، وكان أهم ما يضمه هذا المجمع، سفر ضخم يحمل اسم (وصف مصر)، وهو يصف ما توصلت إليه البعثة الفرنسية عن مصر التاريخ والحاضر، وحجر رشيد الذي كشف خلاله شمبليون اللغة الفرعونية معروض الآن في متحف لندن، بعد أن تمكنت إنجلترا من اقتناصه من الفرنسيين، أما شمبليون (جان فرانسوا شمبليون) فقد تواصل مع العالم جوزيف فورييه، الذي شغل منصب سكرتير البعثة العلمية خلال حملة نابليون بونابرت على مصر (1798-1801)، والذي شجعه على دراسة تاريخ مصر، فوقع في غرام مصر وتاريخها، وهذا ما أدى به إلى اكتشاف اللغة الهيلوغروفية وهو في العقد الثالث من عمره فقط، وقد عثرت الحملة على حجر اتضح أنه يعود إلى مرسوم ملكي صدر عام 196 ق.م تخليداً للحاكم اليوناني بطليموس بثلاث لغات (الهيلوغروفية والديموطيقية واليونانية القديمة) وتمكن شمبليون بعبقريته ومعرفته باليونانية القديمة وكذلك باللغة القبطية أن يصل إلى معرفة لغة الفراعنة، وعن عشقه لمصر يقول في رسالة لشقيقه (إن كياني كله لمصر، إنها كل شيء بالنسبة لي)، وفي رسالته الأخيرة مودعاً أرض مصر إلى الأبد من مدينة الإسكندرية بتاريخ 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1829 قال: (أخيراً سمح لي آمون العظيم بتوديع أرضه المقدسة، سأغادر مصر في الثاني أو الثالث من كانون الأول بعد أن غمرني أهلها القدامى والمعاصرون بكل جميل ومعروف)، وآمون العظيم الذي كان يقصده هو إله مصر في عصر الفراعنة. فعودة إلى شوارع القاهرة التي تضم سليمان الحلبي وشمبليون، فكلا الاسمين يضمهما متحف في باريس، الأول يضم جمجمته (المجرم) والثاني تمثال صممه المثال الفرنسي الشهير (فريدريك بارتولدي) صاحب تمثال الحرية الشهير أمام نيويورك، وإذا كانت جمجمة سليمان الحلبي مازالت في المتحف الباريسي على أنها لمجرم قاتل، فمن الواجب أن تعود إلينا على أنها لمناضل بطل دافع عن أهله ووطنه كما حدث بالنسبة لرفات من كانوا مجرمين في نظر فرنسا وأصبحوا أبطالاً في الحالة الجزائرية، كما أن تمثال شمبليون فيه إهانة بالغة للتاريخ الفرعوني إذ وضع حذاؤه على رأس أحد ملوك الفراعنة، وهو العاشق لمصر، والحديث يتواصل عن جمجمة سليمان الحلبي وتمثال شمبليون، وإلى حديثنا القادم.

التعليقات مغلقة.