سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

جولة سريعة في أسواق “هند زيتوني”… وركعتان في صلاة الشعر..

عبد الوهاب بيراني –

كلمات تفر من بين خلجاتها كالعصافير حينما تنهض من رقدتها.. حينما تشتعل النيران في بيادر القش.. بسلاسة ورقة الماء.. بوفرة الزفير ترمي كلماتها… تغرفها من وحيها، تبوح بصمت ترتل صلاة العشق، تمسك بيدنا، تقودنا إلى أسواق تباع فيها الأحلام في أواني نظيفة، رغم عماء العالم وتوحشه فهناك من يتحسس الأمل ويبصر العالم من خلال الروح كتاباً مفتوحاً، وكتب مرصوفة كفردوس يعلن العلم نوراً، وعلى مقربة من عتبة النص ذاته ثمة نساء يبعن العشق وكلاماً في الحب مقابل أن يتمتعوا بقليل من دفء حرموا منه ببشر قد رحلوا… تركوا ثيابهم ومضوا عراة نحو الفناء والسعادة تغمر أرواحهم الندية..
تلك النساء لا تبحثن عن جمال مصطنع فهن مؤمنات بالحنطة وتؤدين صلاة العشب في كل فجر ندي، لا يأبهن بأحمر الشفاه و لا يتعطرن بعطور مستوردة، فابتسامتهم تساوي حفنة من النجوم؛ وعناقها يثمن بالكون كله.. فهن نبيلات عفيفات لم يعرن الدولار أهمية ولا استفاقوا على ماديات زائلة، فهن تؤمنَّ بأن لمسة من يد حنونة تعادل الشمس والقمر..
في عالم حالم حيث الأطفال بكل براءة تتبادلن طيب الكلام مع العصافير، تسألن عن لون السماء، فالحب يجعل الحقيقة في مكان آخر وتجعل الرؤية منهجاً آخر، تتسلق القصيدة مئذنة ما فترى يده الجميلة تغير كل شيء فالطغاة يقودون الحروب ويسلبون النعيم.. ويغرقون في جحيم أبدي.. ففي تلك الأسواق الرخيصة ثمة ساعات لا دقائق فيها ولا تعد الأيام ولا يوجد في أزمانها عقارب تلدغ.. هناك كل الأوقات للشعر، لا أحد يسألك هل انتهيت من أعمالك اليومية فالزمن هناك لا يشبه أي زمن ومكان لا يشبهه أي مكان آخر.
“فهناك يمكنك إقامة صلاة الشعر ودون أي وضوء. فهو عالم من الطهر.. من النقاء”.
فلا أسواق كتلك إلا في وعي الشاعرة ولا نساء جميلات في هذا العالم يشبهن نساء هذا النص..
هند زيتوني بشاعريتها النقية وعمق وعييها ورومانسية فكرها تخلق عالماً مغايراً وأسواق مغايرة ونساء مغايرات..
نصها مفعم بالحب رغم كل الألم والقهر..
نص يمضي مع البسطاء نحو عالم من ثراء ومن دفء.. عالم لا خداع فيه ولا تزوير ولا نفاق أو بهتان…
إنها رسالة الكلمة
وصلاة الشعر
وتأليه العشق
في حقل من عشب ينمو…
بورخيس يتكأ على عصاه
فاتحاً أبواب الفردوس…
مانحاً البصر للعماء..
ماضياً في سوق لا تشبه اسواقنا…
في عالم من أمل نقي.
أُحبُّ الأسواق الرخيصة
التي تبيع بضاعتها
على رفوفٍ آيلة للسقوط.
البائعون لا يتعاملون
بالدولار المغمّس بالدم والدموع ..
يبيعون أحلامهم الطازجة
على طبقٍ نظيف من الأمل.
يبصرون هذا العالم بروحهم الجميلة
كما أبصر الشاعر بورخيس
العالم بعصاه الخشبية
كتاباً، وتخيل الفردوس
كمكتبة كبيرة جداً.
هناك نساء يبعنَ قلوبهنّ
وكلامهنّ المعسول،
بثمنٍ رخيص،
ليشتروا ثياباً مستعملة
من أمواتٍ رحلوا سعداء.
لا يؤمنون بأحمر الشفاه
ولا بالعطور الباريسية.
يؤمنون فقط بالحنطة
وصلاة العشب
في كل فجر جديد.
وضعنَ أسعاراً مخفضة
لكل شيء
الابتسامة: تساوي حفنة من النجوم.
العناق: يستحق الكون
حين تحترق الأرض
من الكذب والألم.
لمسة اليد الحنونة:
تعادل الشمس والقمر.
أُحِب الأسواق الرخيصة
لأنّ الأطفال
يتحدثون مع العصافير
يسألون عن لون السماء الحقيقي؟
عن يد الإله الجميلة
التي تغيّر مستقبل شعبٍ
غرق بالتعاسة والفقر بلا سبب..
عن عينيه
اللتين تنظران برحمة مؤجلة
إلى الطغاة دون أن تقودهم
إلى الجحيم الأبدي
أحب الأسواق الرخيصة
لأنني أريد أن اشتري ساعة بلا أيام
بلا ساعات، بلا دقائق
لكي لا يسألني أحد لو
انتهيت من ارتشاف قهوتي
أو من كتابة قصيدتي
التي لم تنته.
لكي لا يسألني أحد
أن أقيم صلاة الشعر
وأنا بلا وضوء.