تحقيق/ صلاح إيبو – باسل رشيد –
على خطى التنظيمات الإرهابية التي استباحت البشر والحجر ودمرت العديد من الآثار السورية في تدمر والرقة ودير الزور وحلب وغيرها يسير الاحتلال التركي بالنهج العدواني نفسه من خلال استباحته لمقاطعة عفرين وتدميره العديد من صروحها الحضارية.
تشكل مقاطعة عفرين الواقعة في أقصى الشمال الغربي من الحدود السورية التركية، منطقة جذابة بطبيعتها الخلابة وجوها المعتدل، وانتشار المواقع الأثرية الهامة في جغرافيتها المتنوعة بين السهول والوديان والجبال، وتعتبر المواقع الأثرية في عفرين في غاية الأهمية من حيث قِدمها وجمالها، إذ أعطت عفرين للعالم هيكلاً عظمياً لطفل نياندرتالي بعمر السنتين هو الأول من نوعه في سوريا والأكمل في جميع أنحاء العالم، تم اكتشافه في مغارة دوداري، إضافة لمواقع أثرية أخرى هامة مثل النبي هوري وتل عين دارة وبراد الموضوعة على لائحة التراث العالمي في منظمة اليونسكو، ومن هنا تأتي الأهمية التاريخية والسياحة لعفرين.
وبالرغم من توفر المقاومات الطبيعية والجمالية والمواقع الأثرية التي تجعل من مقاطعة عفرين مكاناً هاماً للسياحة الداخلية والخارجية، إلا أن المنطقة واجهت إهمالاً مقصوداً من قبل سلطات البعث الحاكمة في سوريا قبل الأزمة السورية التي انطلقت في عام 2011م.
وبعد ثورة 19 تموز عام 2012م، عملت الإدارة الذاتية في مقاطعة عفرين على حماية المواقع الأثرية من النهب والسلب ووضعت القوانين التي تحمي هذه المواقع، وأحدثت مديرية خاصة بالآثار هدفها الحفاظ على المواقع الأثرية وتوثيق الاكتشافات الجديدة إن وجدت والعمل على ترميم المتضررة منها، وبالفعل بقيت المواقع الأثرية والسياحية محمية ومتاحة أمام عامة الناس الوافدين إلى المقاطعة للاصطياف والسياحة وشكلت هذه المواقع نقطة جذب للسكان المحليين في المناسبات والعطل.
الاحتلال التركي استهدف الحضارة الميتانية والهورية

ومن المواقع الأثرية الهامة في مقاطعة عفرين «تل عين دارة» الأثري الذي يعود تاريخه لبدايات حيثية وهورية بحسب غالبية الباحثين في علم الآثار، وتعرض هذا الموقع للقصف الجوي التركي المباشر أثناء العدوان التركي على مقاطعة عفرين، وبحسب ما وثقته مديرية الآثار في مقاطعة عفرين أن تل عين دارة تعرض للقصف المتعمد في اليوم الثالث للهجمات التركية الموافق لـ 23 كانون الأول من العام الجاري، واستهدف القصف بشكلٍ مباشر المعبد الذي يشير غالبية الباحثين في علم الآثار إلى أنه مقام على الطراز الهيلاني، وهو نمط بناء هوري – ميتاني، وهذا ما يؤكد على أن الاحتلال التركي استهدف بشكلٍ متعمد حضارة شعوب المنطقة وسكانها الأصليين الكرد.
ويشير خبير الآثار صلاح الدين سينو العامل في مديرية الآثار بمقاطعة عفرين إلى إنهم وثقوا ما تعرض له تل عين دارة في بدايات الهجمة التركية على عفرين، وقدروا نسبة الضرر في الموقع الأثري بـ 60%.
ولكن لم يتوقف الاحتلال التركي في تدميره الممنهج لحضارة المنطقة عند تل عين دارة، بل عمد إلى استهداف المدرج الروماني في موقع النبي هوري (مدينة كورش أو سيروس) الواقعة في ناحية شرا، ويعود تاريخ هذا الموقع إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، وألحق القصف المدفعي المباشر للمدرج الروماني خلال الأسبوع الثالث للعدوان التركي أضرار كبيرة بالمدرج.
الحضارة المسيحية… باتت مهددة هي الأخرى
ومن المواقع التي تعرضت للقصف المدفعي والطيران التركي أيضاً هو موقع علبيسكي الأثري الواقع في منطقة راجو، ويحتوى هذا الموقع على لوحات فسيفسائية تعود للألفية الأولى قبل الميلاد، وتل جنديرس الأثري، كما تعرض موقع قرية براد الواقع في ناحية شيراوا هو الآخر للقصف التركي المباشر في 22 آذار المنصرم، وأدانت المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية، في بيان، استهداف طائرات النظام التركي للمواقع الأثرية والدينية السورية، واصفة إياه بالعدوان الهمجي الجديد، القصف أدى إلى تدمير الكثير من المباني الأثرية المهمة، ومن ضمنها ضريح «القديس مار مارون» شفيع الطائفة المارونية، وكنيسة «جوليانوس» التي تضم الضريح، وتعد من أقدم الكنائس المسيحية في العالم «بنيت نهاية القرن الرابع للميلاد»، كما تضم المواقع العديد من الكنائس والأديرة البيزنطية، علاوة على معبد وحمام ودور سكنية ومعاصر ومدافن تعود كلها إلى العصر الروماني «القرنين الثاني والثالث للميلاد» وتم اكتشافه عام 2002م من قبل البعثة الأثرية الفرنسية وبات قبلة لملايين المسيحين من الطائفة المارونية.
أربعون موقعٍاً أثريٍّاً مهدد في الشمال السوري
من جانبه؛ أكد مدير البعثة السورية الفرنسية الأثرية في شمال سوريا، الدكتور مأمون عبد الكريم لوسائل إعلام، أن الأعمال العسكرية والتخريبية في هذه المنطقة ستنتج كارثة ثقافية، لأهم ثمانية محميات أثرية، وجميعها مدرجة على لائحة التراث العالمي في 2011م، مبيناً أن ثلاث منها في جبل سمعان وخمسة في محافظة إدلب وتضم المحميات الثمانية حوالي أربعين موقعاً أثرياً في شمال سوريا ومدرجاً على لائحة «اليونسكو».
ولم تقتصر الخطة التركية الممنهجة على استهداف تراث المنطقة وكل مقومات الحضارة السورية، والوصول إلى محو الهوية الكردية والثقافية عبر القصف المباشر، بل تعدته إلى إطلاق يد مرتزقته من المجموعات المسلحة المتعددة لسرقة الآثار والتنقيب عنها بأجهزة متطورة يتم الحصول عليها من تركيا مباشرة.
مرتزقة الاحتلال تنهب الآثار بحماية تركية






