سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الأطفال ضحايا رقم واحد في الحروب والنزاعات..

تقرير/ يارا محمد

روناهي/ قامشلو- صراعاتٌ ونزاعاتٌ لا منطقية، وحربٌ لا منتهية في سوريا، وأرواح بريئة تُزهق في سبيل المصالح، ذنبهم إنهم خلقوا في بيئة تَطغى عليها الحرب، وعلى العائلة والأصدقاء تعزيز روح الأخوّة والمحاولة في إعطاء صورة جميلة من شأنها إخراج الطفل من تلك الحالة النفسية ومن مشاهد العنف والقتال.
ما ذنب هؤلاء الأطفال؟، سؤالٌ يتردد صداه في جميع أصقاع الأرض، هل هم إرهابيون أم ورود؟، هل هم الجلادون أم الضحّايا؟، أسئلة ولها جوابٌ واحد، هم بنيانٌ مرصوص، ملائكة البراءة وروّاد المستقبل، بناة الأمل ومنقذو السلام وسط الإرهاب، هؤلاء الأطفال ضحايا هذه الحرب الشرسّة من قِبل بائعي الإنسانية في هذه الحرب السورية منذ أعوام، ومن الضروري في هذه المرحلة الحساسة توجيههم ودعمهم ليآمنوا بأن الحياة خُلقت لهم ومن أجلهم، لا ذنب لهم بما يحصل وجدوا أنفسهم على هذه الأرض التي تتقاتل عليها عشرات الدول تلبيةً لأطماعهم اللامنتهية، فهؤلاء الأطفال بالتأكيد بحاجة إلى الحنان والعطف مثلهم مثل سائر أطفال العالم، لهم الحق بالحياة، بالعيش، بالأمان، فلماذا هذه الدول التي تدّعي السلام والراعية للمنظمات الإنسانية ولحقوق الطفل لا تلتزم بقراراتٍ سنتها لحماية البراءة من العنف والاستغلال؟ ولماذا لا تقوم بواجبها لحمايتهم من الإرهاب المتربص بأحلامهم الطفولية؟
وبهذا الخصوص كان لصحيفتنا روناهي لقاءً مع أطفال سري كانيه/ رأس العين الذين حرمهم العدوان التركي على مدنهم وبيوتهم من أبسط متطلبات الحياة، وأبعدهم عن مقاعدهم الدراسية ليكبروا ويبنوا مستقبلهم وأحلامهم التي رسُمت منذ سنوات.
لا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر..
“حُرمتُ من مدرستي وشهادتي الثانوية التي كانت أمام ناظريّ” هكذا بدأ زكي فرحان إبراهيم حديثه معنا، الشاب البالغ من العمر 18 سنة من مدينة سري كانيه أردف بالقول: “تركت خلفي رفاقي وبيتي ومدرستي قسراً، حُرمت من نيلي لشهادتي الثانوية التي كنت أستعد لها منذ سنة، مشهد النزوح القسري مع أهلي باقي في مخيلتي لا أقدِرُ على نسيانها”، كانت كلماته عبارة عن حزنٍ وشوقٍ إلى حارته ومدينته، متأثراً بالمشاهد التي حصلت معهم وخروجهم من منزلهم الذي كبروا وعاشوا فيه وحلموا بالبقاء تحت سقفه، راجياً ومتمنياً العودة إلى حيث قضى طفولته فيها، وأكد على إن هذه الظروف هي بمثابة تحدي لهم ليثبتوا من خلالها إن الصِعاب مهما طالت سَتُكسر مستشهداً بالقول: “لا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر”.
أما الطفلة تريفا أيو التي لم تبلغ الثالثة عشر من عمرها، كانت مقلتاها مليئتان بالحسرة والاشتياق إلى غرفتها، كانت تفتقد إلى مدينتها سري كانيه/ رأس العين المحتلة من قبل الفاشي والمستعمر التركي، قلبها الصغير كان يعتصر ألماً لرؤية بيتها من جديد، بينت في حديثها بالقول: “مازال قلبي في مدينتي، لا أحتمل الغربة والبعد عنها على الرغم من وجودي هنا لكن قلبي يشتاق إليها، سأحاول أن أتجنب الشعور بالشوق حتى يتسنى لي إكمال دراستي، وأتمنى العودة إلى حياتي السابقة والتي لم يكن يسبقها مثيل”.
هؤلاء الأطفال وجدوا أنفسهم وسط دوامات الحرب التي شنتها دولة الاحتلال التركي عليهم، أصبحت أمنياتهم العودة لمدينتهم مهما كلف الثمن، مناظر النزوح القسري على يد المحتل التركي ومرتزقته من الجيش الوطني السوري ومشاهد الموت غلبت على مشاعرهم ليصبحوا ضحايا هذه المهزلة وسط صمتٍ دولي مخزي.
لوند محمد طفلٌ أيضاً من هؤلاء الأطفال الذين أضحوا ضحايا الصفقات الإرهابية الغربية – التركية، نزح مع عائلته قسراً إلى مدينة قامشلو، وملامحه الضاحكة كانت تدل على القوة الموجودة في داخله وتؤكد أن الفرح سيتلخص بعيونه البريئة، الراغبة في الهدوء والسكون والرافضة للقذائف والهاون والدمار، حيث يستمد المرء من ضحكته القوة، ورغبته الجامحة في التعبير عن مشاعر يملأها الإصرار والعزم لا يمكن تصورها مهما بلغ التعبير، وهذ يؤكد بأن الوطن بحاجة إلى مثل هؤلاء الأطفال حتى نعيد الإحساس بالأمان والتغيير من جديد وليمدونا بالأمل والقوة.
النشاطات الترفيهية ترفع من معنوياتهم..
وفي السياق ذاته ألتقينا مع الإدارية في مركز حماية الطفل في مدينة قامشلو سهيلة إبراهيم والتي تحدثت بدورها عن آثار الحرب والنزوح على نفسية الطفل، وعن أبعادها الطويلة المدى، وكيف يمكن لهذا الطفل الإحساس بالأمان من بعد رؤيته لمشاهد القتل والدمار؟ حيث نوهت حول هذا الموضوع قائلةً: “يتأثر الطفل كثيراً بالمشاهد المؤلمة، ويصعب على ملامحه إنكارها أو إخفائها، فتتحول هذه المشاهد إلى صدمة أو مرض نفسي، وفي كثير من الأحيان يتحول إلى اكتئاب، وهنا يأتي دورنا بإخراجهم من الحالة النفسية التي يمرون بها، وبالتأكيد يحتاج العلاج إلى المراجعة الدورية على مدار جلسات أسبوعية حتى نتمكن من إعادته إلى ما كان عليه في السابق”.
وأكدت سهيلة على اختلاف الحالة النفسية من طفل إلى آخر، حيث أشارت بأن الطفل الذي شاهد العنف بأم عينيه يكون معرضاً للاكتئاب أكثر، ومن خلال النشاطات الترفيهية تتبين حالة كل طفل حسب قولها.
وأشارت سهيلة حول النشاطات التي يقومون بها قائلةً: “إن النشاطات الترفيهية من شأنها إخراج الطفل إلى حالة نفسية جيدة وسهلة التعامل، حيث تتضمن نشاطاتنا جلسات حوارية تهدف إلى خَلق موضوع يوجه من خلالها عقل الطفل نحو الإحساس بالأمان، لأن الأطفال القادمين من مناطق النزاع والهاربين من العنف يصبحون أقل اندماجاً، وأكثر رغبة بالانفراد وعدم المبادرة والتردد، وتشتت الذهن وضعف الذاكرة والتذكر بالأخص تلك الأمور المتعلقة بالدراسة والمدرسة، وتظهر لديهم أيضاً مشاعر القلق والخوف”.
“تعزيز روح الأخوّة بين الأطفال”
وكنوع من العلاج اختتمت المسؤولة في مركز حماية الطفل سهيلة إبراهيم حديثها حول العلاج وكيف يمكن للعائلة مراعاة مشاعر الطفل بالقول: “أتمنى من كل عائلة أن تحمي طفلها، وأن لا يدعوا أطفالهم يتنابزوا بالألقاب، أو أن يحطوا من شأن بقية الأطفال المهجرين، والقاطنين في ناحيتهم، وأن يعززوا روح الأخوّة بين الأطفال الذين أجبرتهم ظروف الحرب على ترك بيتهم، لأن المحبة وإحساس الشعور بالأمان من شأنه أن يُنشأ جيل قادر على النهوض مستقبلاً”.
مما سبق يتضح لنا أن الأطفال الذين يقعون تحت ظروف الحرب هم أكثر فئات المجتمع تأثراً بقسوة السلاح والنيران وهمجية القوة والعنف، والتي اتخذتها الدول الرأسمالية استراتيجية لها لاحتلال الشعوب والاستيلاء على ثرواتها حتى في ظل القانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان ومحاكم جرائم الحرب؛ أصرت تلك الحكومات النازية على فرض قوتها خلال العنف وقتل الأبرياء، وفي المناطق السورية التي يحتلها الجيش التركي ومرتزقته العنف يقع على كل شيء على اليابس والأخضر، الصغار والكبار، والطفل أكثر من يتأثر بها، لأن نموه لم يكتمل ولأنه لا يستطيع التعبير عن غضبه وخوفه وقلقة بالتعبير مثل الكبار، ولكنه يعبر بلغة أخرى هي لغة الحركة وعدم الاستقرار وتلك رسالة منه للعالم الخارجي تؤكد قلقة وخوفه من الخطر الذي يحيط به وبمن حوله، لذا يقع على عاتق الأهل بأن يعززوا ثقته بنفسه، ويهيئوا الأجواء المناسبة لراحته النفسية، وتقع المسؤولية على المدرسة والمدرسين بعدم التفرقة بين الأطفال ممن هجروا ونزحوا قسراً إلى مناطق أكثر أماناً وأن يتعاملوا معهم مثل سائر الأطفال، وكذلك ضرورة تعزيز رابط الصداقة بينهم.