سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

قراءة في وجع “طفل يلعب في حديقة الآخرين” لجان بابير

ريبر هبون

اللغة التي في متن هذا الكتاب، تتضوع وجعاً وأفكار، إذ يدمن الشاعر تغليف الوجع في أفكاره، كما أنه يرى ألا صدقية في الأفكار مالم تتغلف بغلاف الوجع السميك، من ثم تتبعثر كالخراف على براري الصفحات، لنقرأ:
“لم أقصد أنك فقط امرأة
أقصد يدينا
في خصام التعرّق
تناولني قصيدة
من خلف باب المطبخ”
تجسيد لأشياء قد تبدو عادية في حياتنا، لكنها فنية في عالم الشعر، وتحمل روح الحياة المرهفة، حيث غاية الفن هنا هو تحقيق الرهافة في تناول أشياء مألوفة، وتحويل اللامرئي إلى عرس تقيمه الحواس المدركة المرتبطة مع الفن والإحساس العميق بعقد وثيق، أيضاً نجد خاصية المفاجأة ، والبحث عن شيء ليس ببسيط يسعف اللاشعور كي ينتفض ويحيل الإدراك إلى غرابة وذهول.
وثمة مفردات غير متنافرة تُخرج الفتنة من جوف الروح، ولا تخلو رحلة المبدع في الإتيان بالغرابة الفنية من مجازفات صغيرة، إذ يأخذ الإدراك غفوته بالتزامن مع مجيء عبارات قد تخون ما يريد المبدع أن يقوله للآخرين، إلا أن لغته: ماردة، رهيفة، ولاذعة وتلك السمات الثلاث أن اجتمعت، فإنها تصوغ المناخات الشعرية بخطىً واثقة، لا تبخس العبارات حقها من إبداع وتحليق، يستمتع المرء بلغة أكثر لصوقاً بالغرابة والاحتراف في إتيان معانٍ جديدة من مفردات مقترنة ببعضها رغم ندرة التقاءها، على هيئة الفن السريالي التشكيلي، وتعانق الألوان، لإيضاح مشاهد الحياة الرتيبة والكشف عن عوراتها، يستخدم جان بابير الإنزياحات الكثيفة ويدمن الصور المعبّرة عن رموز متعددة توحي إلى محنة الذات والعشق الإبداعي للآخرين والعالم، ولصوقاً بالحلم، تحديداً بعوالم الطفولة والتحديق في قسمات الآخرين وأشياءهم، توارد فكري انزياحي، تراشق بالعبارات ذات المعاني المستترة والألفاظ المبهمة الغائصة في ألوان البلاغة وأوحال البديع، وما يميز تلك اللغة هي خاصية توظيف القص وأخصها الحواريات القصيرة هنا:
“ما الذي يميزني؟
هكذا أحب يديك
لماذا تعاملني بإشارات متلاحقة
لأنك موجودة وحسب
الكلام طويل والبوح عميق وما أوردته هنا في هذه النظرة السريعة، هي رؤية انطباعية آنية، وبقعة ضوء على مفازات وعوالم جان بابير المحلق في عباب الحياة.

التعليقات مغلقة.