سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

إدلب صفقة مؤجلة إلى حين

مصطفى الخليل

الاجتماع الذي جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره التركي أردوغان كان اجتماعاً لعقد صفقات جديدة، كما جرت العادة في الأوقات السابقة، وسبق أن عُقدت صفقات على الأرض السورية في اجتماعات سابقة ومماثلة، أما تكون على الأرض الروسية أو التركية منها صفقة الغوطة الشرقية وحمص وريف حماة وحلب وعفرين واليوم في إدلب، وهي حالة مستمرة منذ التدخل الروسي.
تلك الصفقات تصب في مصالح الروس والأتراك بالدرجة الأولى، وهذه اللقاءات أصبحت مصدر التشاؤم بالنسبة للشعب السوري، لما يصدر عنها من قرارات يكون الشعب السوري هو الخاسر الوحيد فيها، لأنها تعقد على أشلاء الأطفال والنساء والشيوخ وأنقاض المنازل والتهجير القسري، والفاتورة النهائية هي المئات من الشهداء المدنيين وتسليم عدة مدن وتهجير مئات الألوف.
وفاتورة كثير من الصفقات كانت باهظة على سكان المنطقة الأصليين والمثال الأبرز صفقة الروس والأتراك في عفرين مقابل الغوطة وحمص، نتج عنها استشهاد الآلاف من المدنيين، وتدمير البنى التحتية لدفع سكانها للتهجير، واعتقال المئات تحت حجج واهية، وارتكاب المجازر الوحشية ونقل المرتزقة الموالون لتركيا إلى المناطق المحتلة. حيث تم توطينهم في أكبر عملية تغيَر ديمغرافي خلال الأزمة السورية، فنجحت روسيا في استعادة النظام السوري للكثير من المناطق والمدن، وحققت استراتيجيتها، وأمنت مصالحها في سوريا، أما السوريين لم يحصلوا سوى على دفع الفاتورة الباهظة من القتل والدمار والمجازر والتهجير القسري.
وبتاريخ الثامن من كانون الثاني ومع بداية العام الجديد يأمل السوريين أن يكون عام سلام وأمن وأن تنتهي الأزمة، اجتمع محور الصفقات في إسطنبول لبحث الأزمة السورية، وأيضاً ما يجري في ليبيا، وبكل تأكيد هناك طبخة جديدة وهدف جديد، حيث تم الاتفاق على وقف الأعمال القتالية في إدلب والعمل على حل الأزمة الليبية بالطرق السلمية. لأن الروس يختلفون مع الأتراك في ليبيا ولا يريدون سيطرة تركيا على ليبيا، وفي ذات التوقيت يبحث الروس عن قاعدة بحرية على ضفاف المتوسط شبيهة لتلك الموجودة على السواحل السورية.
المصالح المشتركة الروسية التركية تدور حول فرض هدوء في إدلب لتحقيق مصالحها في مناطق أخرى من سوريا، وأيضاً خارج الحدود السورية، فمصلحة الأتراك من فرض الهدنة كانت للظهور أمام المرتزقة المدعومين من قبلها بعد الإحباط الكبير الذي أصابها نتيجة التقدم الكبير لجيش النظام السوري في ريف إدلب الجنوبي، وأيضاً التغطية على مسألة إرسال المرتزقة إلى ليبيا من خلال الإيهام بأن الجبهة مع النظام في حالة هدوء، لأن التوقيت في الوقت الحالي هو للسيطرة وبسط النفوذ على ليبيا، وهي الأهم استراتيجياً بالنسبة لتركيا الآن، كما أن تركيا في هذا التوقيت لا تريد أن تخسر المزيد من مناطق النفوذ بإدلب، كي لا تدفع بالمرتزقة وعوائلهم إلى إراضيها من جديد.
أما الروس فهم يطمحون إلى توسيع نفوذ النظام السوري في تلك المناطق، ولكن يعد ريف حلب الجنوبي مهم جداً في حال السيطرة عليه لتأمين مدينة حلب العاصمة الاقتصادية لسوريا، ويبعد النفوذ والأطماع التركية في السيطرة عليها ويساعد في فتح جزء كبير من الطريق الدولي M4والذي يسهل سرعة الوصول إلى مدينة حلب، وربطها ببقية المحافظات الوسطى والجنوبية. والسيطرة الآن على ريف حلب الجنوبي، يسهل السيطرة على مناطق إدلب بشكل أكبر بسبب تداخل الريفين الحلبي والإدلبي، وعدم فتح جبهات أكبر في المنطقة ستؤدي حتماً إلى استنزاف قوات النظام عسكرياً، بسبب طول خط الجبهات واتباع سيطرة القضم البطيء خلال سير العمليات العسكرية، وهذا سيسهل السيطرة بشكل أكبر بأقل التكاليف وبمدة أطول.
وبناء على هذا الاجتماع والحديث عن هدنة ووقف إطلاق النار، التوقعات تشير بأن اتفاق الهدنة بين بوتين وأردوغان، ليس إلا مجرد تأجيل البت بالسيطرة على إدلب أو أنها صفقة مؤجلة لحين آخر، باعتقادي ستكون الصفقة الجديدة آخر مسمار سيُدق في نعش المرتزقة، لأن تركيا ما انفكت وهي تتاجر بمصيرهم وتفرض شروطها عليهم، وتحقق مصالحها من خلالهم، بدون أن يكون لهم وجود بين أوراق طاولات الصفقات الروسية التركية.