سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

إيران بين خيارين أحلاهما مُر

نوري سعيد

الإيرانيون معروفون بالنفس الطويل والتأني وكسب الوقت والمخططات الطويلة الأمر، ولكن مقتل قاسم سليماني جعلهم يفقدون صوابهم وتوازنهم لأنه لم يكن متوقعاً، وبمجرد نشر الخبر أعلنوا أن الرد الإيراني سيكون سريعاً وقاسياً بعكس ما جرت العادة عندهم، وهكذا وضع القادة الإيرانيون أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر.  لأن الانتقام من أمريكا ليس بالأمر السهل كونها “أقوى دولة” في العالم، وأن عدم الرد سيؤثر على هيبة إيران في المنطقة بعد أن أظهرت نفسها إنها لا تخشى أحداً، وبإمكانها التدخل في أي مكان وأي وقت وزمان، وزعزعة استقرار دول المنطقة سيما وهي تردد باستمرار بأنها تسيطر على أربعة عواصم عربية وتريد السيطرة على الخامسة في إشارة إلى الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية بعد بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء.
 وأنها لا تخشى حتى إسرائيل وهي قادرة من خلال قوتها العسكرية إزالتها من الوجود، ولكن الرد الأمريكي جاء واضحاً وصريحاً (بأن أي رد إيراني يطال القوات الأمريكية سوف يجعل 52 هدف إيراني معرضاً للقصف وأيضاً الدم الأمريكي خط أحمر)، من هنا كان على الإيرانيين التريث وكسب عطف المجتمع الدولي وإظهار أمريكا على أنها معتدية سيما  إن الجنرال سليماني لم يكن متخفياً ولا حتى يقود أي هجوم بل كان في طريقه إلى المطار، من هنا جاء رأي أغلب المحللين السياسيين والعسكريين إن تهديدات إيران ليست سوى فشة خلق وهي للاستهلاك المحلي. وإن الغارتان اللتان أقدمت عليهما إيران لم تكن بمستوى التهديد الإيراني بل على العكس وضعت إيران نفسها في ورطة جديدة، لأن سقوط الطائرة الأوكرانية في سماء طهران كانت بسبب إحدى الصواريخ التي أخطأت الهدف وأصابت الطائرة المنكوبة، ولو سلكت إيران طريق الحكمة والعقلانية لكان الأمر مختلف تماماً ويصب في مصلحتها، لأنها كانت تواجهه احتجاجات شعبية بين الفترة والأخرى بسبب الأوضاع المعيشية المزرية الناتجة عن الحصار الأمريكي، وبمقتل سليماني التف الشعب الإيراني حول قيادته وكان على إيران أن تستغل ذلك دبلوماسياً إلى أبعد الحدود لا أن تضع نفسها في المأزق جراء تهديدات غير عقلانية.
 وإذا كانت إيران تستمد قوتها كونها جعلت من نفسها حامية للشيعة على المستوى العالمي، فهذا لا يعني أن من حقها تعريض الدول التي لها نفوذ فيها للخطر، لأنها صرحت بأنها قد تقوم بالرد عبر وكلاءها وبالأخص في العراق ولبنان لأن هذه الدول يكفيها ما تعاني من مآسٍ وويلات منذ سنوات، ومن نهوض شعبي يطالب بإصلاحات جذرية تطال التركيبة السياسية للدولة بالكامل، وعليه يمكن القول إن إيران هي الحلقة الأضعف في المنطقة بعكس ما تظهر نفسها فهي لا تملك أي عمق استراتيجي، وحتى زعامتها للشيعة مشكوك فيه لأنها لا تملك أيةَ ميزات تؤهلها لذلك. حيث لا يوجد أي مزار شيعي في إيران ومعظمها موجود في العراق وسوريا وإيران تستغل ذلك لإعادة الإمبراطورية الفارسية، مثل الأتراك الذين يستغلون بدورهم المذهب السني، وأيضاً إيران دولة متعددة الشعوب والأديان والمذاهب ومن السهل على الغرب بقيادة أمريكا الضغط على إيران من خلال موضوع الحريات العامة، خاصة أن إيران لا تعترف بحقوق الشعوب والمذاهب والأديان التي تشارك الفرس العيش منذ قرون، وهم ليسوا أقل انتماءً من الفرس لإيران. فالشعب الكردي والعربي والبلوش هم جزء من النسيج الوطني الإيراني ومع ذلك محرومون من حقوقهم، وعلى إيران انطلاقاً من كل ما تقدم أن تنفتح على شعوبها، لأن قوة الدول مستمدة من تلاحم الشعب ووقوفه إلى جانب قيادته، وأن تكف إيران عن التدخل في شؤون الآخرين، كما أن عليها فتح باب الحريات والتعامل مع الواقع الجديد في المنطقة بكل حكمة وحنكة سياسية، وعليها التوجه للديمقراطية والاعتراف بحقوق الآخرين، وبهذا فقط يمكنها أن تكسب شعوبها وتحافظ على كيانها وتنعم بالاستقرار والعيش الكريم.