سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

فتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة تجابه الخذلان بالأمل..

قررت “كولشن صالح” وهي فتاة كردية من ذوي الاحتياجات الخاصة، فتح محلٍ لبيع الورود لتأمين تكاليف علاجها بعد أن خذلها المسؤولون في باشور كردستان ورفضوا مساعدتها لأنها لا تنتمي لحزب سياسي، وهذا ما كان عائقاً في تحقيق حلمها للسفر إلى إحدى الدول الأوروبية لتلقي العلاج فيها.
كولشن ذات الـ 23 عاماً تعيشُ مع أسرتها المكوّنة من عشرة أشخاص، وهي تدير لساعات يومياً محل الزهور الذي افتتحته في شارع “بينجوين” وسط قضاء سيد صادق (60/كم شرقي السليمانية).
اسمها ونشأتها
“كولشن صالح” من مواليد تشرين الثاني 1996 في قضاء سيد صادق التابع لمحافظة السليمانية قالت: “ولدتُ في أسرة متوسطة الحال تتكون من عشرة أشخاص، خمس بنات، وثلاثة أخوة، مع والديّ، وتسلسلي الخامس بين إخواني، ومثل أيّ فتاةٍ أخرى، كانت ليّ الكثير من الأحلام والطموحات والأهداف، رسمت لها الخطط مع اللحظات الأولى من اندلاع شرارة الإحساس والشعور لديّ، إلا أن القدر كان له كلام آخر فغيّر كل شيء في حياتي، وجعل لأهدافي وطموحي خريطة أخرى، غير التي وضعتها ورسمتها”.
بداية المأساة
وتابعت كولشن روايتها لحياتها بالقول: “قبل نحو تسع سنوات كُتبت رواية جديدة لحياتي، من خلال فقداني لساقيّ، وبقائي مقعدة على كرسيّ متحرك، لا أستطيع التحرك إلا بمساعدة أحدٍ من أفراد أسرتي”.
ووضحت: “في لحظة سوداء، تهدّم بيتنا فجأة دون معرفة السبب، كان ذلك في عام 2010 عندما كنتُ في الرابعة عشرة من عمري، فخسرتُ قدميّ، والفقرة الحادية عشرة في عمودي الفقري، مما أدى إصابتي بشلل كامل في ساقيّ، وعدم قدرتي على السير كما كنت في السابق، وذلك بعد انسداد أوعية الدم في إحدى الخلايا بالعمود الفقري، ومنذ ذلك الوقت وأنا مقعدة لا أستطيع الوقوف والسير على قدمي”.
120 ألف دولار ثمن الشفاء
كولشن أشارت إلى إمكانية إيجاد فرصة لعلاجها خارج البلاد ولكنها تتطلب مبلغاً لا تستطيع تأمينه، وبعد مراجعتها للعديد من الأطباء وإجراء عشرات الفحوصات، كان هناك أمل بسيط لمعالجتها في باشور كردستان لكن بسبب التكاليف العالية لم تتمكن من ذلك، ومع مرور الأيام، أصبحت حالتها أكثر تعقيداً وأصبح من المستحيل معالجتها في باشور، وعليها التوجه نحو بريطانيا وألمانيا وبتكلفة مالية ضخمة جداً لا تطيقها عائلتها.
تستطرد كولشن: “أبلغوني الأطباء في ألمانيا وبريطانيا بعد إرسال التقارير الطبية الخاصة بحالتي أنه يمكنني السير على قدميّ كما كنتُ قبل الحادثة بعد سنة ونصف تماماً من إجراء العملية وتلقي العلاج اللازم من الأدوية والإبر بتكلفة تصل إلى أكثر من (120 ألف دولار أمريكي) لكن عائلتي لا تستطيع تأمين هذا المبلغ الضخم حتى الآن”.
“المعنيون رفضوا مساعدتي”
نوهت كولشن متحدثةً عن محاولاتها للحصول على مساعدة من مسؤولين في باشور أو أناس ميسورين وهو أمر شائع يتوجه إليه الكثير من مواطني باشور كردستان حين يعجزون عن تأمين متطلبات علاجهم في المستشفيات العامة، وبينت قائلةً: “بعد إصابتي بهذا المرض، طرقتُ أبواب العديد من المسؤولين في حكومة باشور، والأغنياء لمساعدتي ومنحي فرصة أخرى للسير على قدميّ، لكن كل محاولاتي بائت بالفشل، ولم يساعدني أي مسؤول لأنني لستُ حزبية، ولو كنت أنتمي إلى حزب كبير وأقوم بالدعاية له لتغير الأمر”.
وسردت: “مسؤول رفيع في حكومة باشور كان قد وعدني عند حديثي معه أن يتكفّل بمصاريف علاجي في أوروبا لكن بعد أن علم بأنني لستُ حزبية، اعتذر عن ذلك بالحرف الواحد وقال لي: “أسف لا أستطيع مساعدتك لأنكِ لستِ حزبية”، وكذلك الحال تكرر مع مسؤول آخر في الحكومة الحالية ووعدني لأكثر من مرة لكن نفس الكلام تكرر ولم يساعدني أبداً”.
كولشن تابعت فيما التمعت عيناها بالدموع: “في الانتخابات الأخيرة، وعدني أحد الأشخاص وأمام ألفي شخص بتجمع جماهيري بأنه سيتكفّل بمصاريف علاجي وسفري إلى أوروبا، لكن بعد أن حصل على منصب رفيع في هولير قال لي: “أنا لستُ مضطراً لعلاجك، للأسف لقد تاجر بحالتي وربما حالات أخرى  للدعاية لنفسه ولينال المنصب”.
لدقائق توقفت كولشن عن الحديث وغطت وجهها بيديها، وكأنها تحاول جمع قواها ونسيان ذكرياتها المريرة  مع ساسة يستغلون كل شيء لدعايتهم الانتخابية، قبل أن تتابع متحدثةً عن محاولتها لتغيير حياتها: “بعد فشل جميع المحاولات في الحصول على مساعدة لمعالجة حالتي، قررت أن أفتح محلاً لبيع الورود في وسط المدينة وجمع المبلغ اللازم بنفسي لتأمين تكاليف العملية، كردٍ على جميع الذين خذلوني وجعلوني أعيش حالات اليأس وحتى لا أصبح عبئاً على عائلتي وإخواني”.
وتابعت: “أقول لكل الذين لم يصدقوا بوعدهم معي، بأنني سأتعالج وأحقق جميع أهدافي وطموحاتي بعون الله وبالأمل الكبير الموجود في داخلي”.
وتشرح كولشن كيف تتدبر إدارة محل الورود، الذي تفتح أبوابه عند التاسعة صباحاً ولغاية السابعة مساءً: “كلّفني فتح هذا المحل أكثر من ثلاثة ملايين دينار عراقي، وأدفع إيجاراً شهرياً يبلغ 200 ألف دينار عراقي، وتساعدني شيماء زوجة أخي وتبلغ 20 عاماً في تيسير شؤون المحل”.
“عائلتي كسرت تقاليد المجتمع
وتقول: “أنا أنتمي لمجتمع تحكمه العادات والتقاليد العشائرية إلى حدٍ بعيد، وخروج فتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة مثلي إلى العمل ليس بالأمر السهل، لكن عائلتي كسرت هذه الحواجز ووقفت معي وساندتني مادياً ومعنوياً ولولاها لما كنت وصلت إلى هذه المرحلة”.
وتؤكد كولشن إنها لم تواجه مضايقات إلى الآن في عملها: “الأمور في المحل تجري بشكل طبيعي ولم أواجه مضايقات كبيرة رغم أن المجتمع ليس من السهل عليه تقبل عمل الفتاة خاصةً من هم في حالتي”.
العودة لمقاعد الدراسة
وبشأن دراستها، تقول: “منعني فقداني لقدمي من مواصلة دراستي لعامين كاملين، وأصبحت في حالة يأس كبيرة جداً، وكنتُ لا أخرج من البيت أبداً بسبب كلام المجتمع القاسي والتعابير الوحشية التي كنتُ أسمعها من الناس، لكنني قررت كسر العجز، وإكمال الدراسة، وعدتُ إلى مقاعد الدراسة، والآن أنا في الصف الخامس الثانوي، وأطمح بإكمال دراستي والتخصص في الحالات النفسية بمجال الطب أو الهندسة”.
وشددت بالقول: “لم أتوقف عند ذلك دخلت عالم الصحافة والكتابة، ويوم بعد آخر أحقق أهدافي وطموحاتي، لا يوجد شيء صعب في حياة الإنسان مهما كانت ظروفه قاسية فقط يحتاج إلى إرادة ليحقق ما يريد، وسأستمر في مسيرتي ولن أتوقف عند نقطة معينة أبداً”.
أكثر شخص يستحق الشكر..
كولشن خصت نفسها المقاومة بالشكر لأنها مكنتها من النهوض مجدداً: “إذا كانت هناك ضرورة لأن أشكر شخص ما على دعمه ومساندته لي إزاء كل هذه المصاعب التي واجهتها في حياتي بعد تعرضي للإعاقة، فهو “نفسي أنا” نعم، لا تستغربوا إن قلت أن “نفسي أنا” فقط هي من تستحق الشكر، لأنها لم تتركنِ لوحدي بعد أن خذلني جميع من كان ليّ أمل بهم لمساعدتي، وقفت معي في السراء والضراء، في الليالي السوداء، والأوقات الصعبة كانت دائماً في جانبي تمنحني شحنات الشجاعة لمواجهة الحياة ومطباتها، في الوقت نفسه أقول لجميع الذين خذلوني بأنني لن أسامحكم أبداً على ما فعلتموه معي وخذلانكم ليّ، وأقول لهم أيضاً ضعوا أنفسكم بمكاني كيف سيكون حالكم ووضعكم إن أصبحتم مثلي مقعدين، عندها بكل تأكيد ستعرفون حجم المعاناة التي أعيشها”.
كولشن تنقل الكثير من جوانب معاناتها مع الإعاقة التي سجنتها داخل كرسي أو على سرير لا تستطيع النجاة منه، فتقول: “في بعض الأحيان أعطش أو أشعر بالجوع في الليل، لكنني لا أستطيع أن أنادِ على أحد من أفراد عائلتي ليجلب لي كأس من الماء أو يجهز لي الطعام وهم نيام، وهذا ما يجعلني أسهر مع الجوع والعطش إلى الصباح الباكر، وهذه واحدة من أقسى وأوجع اللحظات التي أعيشها منذ فترة وباستمرار”.
تحكم على من خذلها بوردة!!
حتى في أصعب لحظات حياتها تؤكد كولشن أنها تتسامح مع كل من خذلوها: “كثيرون هم الذين خذلوني ورفضوا مساعدتي وأنا في أمسّ الحاجة لهم، لكن لو شاء القدر بأن أحكم عليهم كـ”جزاء” لخذلانهم لي، سأهديهم وردة كأقوى حكم أطلقه عليهم وعلى الجرح الذي سببوه في داخلي، لأنني لا يمكن أن أصبحُ قاسية في يومٍ من الأيام مثلهم”.
وعن إمكانية الارتباط تقول: “أنا أعيشُ في مجتمع عشائري يحتم على الفتاة الزواج في وقت مبكر، ومنذ سنوات يتقدمُ العديد من الشباب لخطبتي، وأعلن الكثير من الشباب عن استعدادهم للزواج بيّ وأنا بهذا الوضع، لكن بالنسبة لي السير على قدميّ في هذا الوقت أهمُ من الزواج أو أي شيءٍ آخر، ولن يفرحني شيء في هذه الحياة سوى السير على قدميّ كما كنت في السابق”.
تختمُ “كولشن صالح” سيرة حياتها لصحيفة “صباح كوردستان” وهي تقول بحرقة قلب: “كل ما أريده هو أن أقف على قدمي مجدداً، وسأكون ممتنة لكل من يساعدني لأستعيد قدمي وحياتي”.

التعليقات مغلقة.