سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

قضايا المياه العالقة بين تركيا ودول الجوار

محمد داوود داوود –
تعتبر مسألة المياه من أكثر المسائل حيويّة ولعلها تتقدم على قضايا الطاقة، وربما تفتح بوابات النزاع ما لم يتم التصدّي لحلها وتنظم اتفاقات تقاسم المياه بين البلدان المتشاطئة وتحديد حصص عادلة تفي بحاجات كل بلد.
جذور قضايا المياه بين تركيا وبين سورية والعراق
بعد انهيار الدولة العثمانيّة في أواخر الحرب العالمية الأولى وقع الحلفاء مع حكومة السلطان محمد الخامس في إسطنبول معاهدة سيفر(1920م) وبموجب هذه المعاهدة احتفظت تركيا بأراضٍ هي: حوض نهري سيحان وجيحان (كليليكنا ومنحدرات المياه على سفوح طوروس الجنوبية (بلاد مرعش وديار بكر) ثم عقدت الحكومة التركية مع فرنسا بصفتها الدولة المنتدبة على سورية اتفاقية أنقرة(1920م) تخلَّت فيها فرنسا لتركيا عن أراضٍ جديدة شملت عينتاب كلس أورفه ماردين جزيرة ابن عمرو (بهتان) وجرى ترسيم الحدود سياسيّاً إلى الجنوب من خط الحدود الطبيعي (وهو مقسم المياه في طوروس) ولم تكتف الحكومة التركية بهذا التوغُّل والتمدُّد جنوباً بل طالبت بمنطقتي الموصل العراقيّة والاسكندرونة السوريّة وبسبب حرص بريطانيا الدولة المنتدبة على العراق على حقول النفط في الموصل فقد اعترفت تركيا بالموصل عراقياً(1926م) وغنمت الاسكندرونة بالاتفاق مع فرنسا (1939م) وتشكل منطقة الاسكندرونة حوضاً مائياً مهماً تتوسَّطُه بحيرة العمق وتنتهي إليه ثلاثة أنهار هي: عفرين ، الأسود، العاصي
وهكذا سيطرت تركيا على أعالي دجلة والفرات وعلى مجمل حوض سيحان وجيحان والمجمع المائي في الاسكندرونة إضافة إلى أغلب أنهار قويق الذهب الساجور بليخ الخابور (والثلاثة الأخيرة هي من روافد الفرات في سورية) ونظراً إلى توسُّع خطط التنمية في جميع دول منطقة الشرق الأوسط فقد أصبح الماء يشكل محوراً للنزاعات وأساساً في سياسات الدول وعلاقاتها فيما بينها وهكذا أصبح مسرح صراع جغرافي سياسي (الجيوبوليتيكي) القائم في المنطقة واسعاً ويشتمل على جميع أحواض المصادر المائيّة في المنطقة وعلى أهم الموارد الاقتصاديّة السياسيّة الأخرى وبخاصة النفط وأهم المنافذ والممرات البحرية في العالم وتتحرك في هذا المسرح خمس قوى إقليمية هي: العربيّة والايرانيّة والتركيّة والأثيوبّية والإسرائيلية وتتحكّم بحركة هذه القوى في إطار العلاقات فيما بينها جملة عوامل داخلية وخارجية تاريخية وجغرافية إقليمية ودولية إضافة إلى موازين القوى وعلى هذا يمكن تفسير العديد من الموافق على المياه فصراع العراق مع إيران بدأ حول شط العرب وسعي تركيا للتحالف مع إسرائيل من جملة ما يهدف إليه هو إضعاف الوضع في سورية والعراق حتى تتمكن وتتوسَّع إسرائيل في الأراضي الفلسطينية والعربية الأخرى يُقرأ هذا في خريطة منابع المياه ولقد تحدثت بعض التقارير الصحفية في الولايات المتحدة في تشرين الثاني نوفمبر 1990م أي بعد الاحتلال العراقيّ للكويت بأنَّ واشنطن اقترحت على تركيا استخدام المياه سلاحاً سياسيّاً لإرغام العراق على الانسحاب من الكويت وذلك بقطع مياه دجلة والفرات ولكن تركيا لم تستجب للاقتراح بسبب خطورته فهو سيكون كارثة على سورية والعراق معاً قد تؤدّي إلى عكس الهدف الذي قصد إليه من قطع المياه عكساً تاماً ويجدر بنا هنا أن نشير إلى تقرير نشرته المخابرات المركزيّة الأمريكيّة في أواخر العام 1993م حدّدت فيه عشر مناطق في العالم ستشهد صراعات ومواجهات بشأن المياه ويقع الوطن العربي في قلب تلك المناطق وقسَّم التقرير المناطق المرشحة للدخول في صراعات ومواجهات وفيها منطقة الشرق الأوسط إلى ثلاثة مستويات من الخطر.
1- مناطق قد تشتعل فيها حروب المياه: وفي مقدمتها: الأردن وفلسطين وإسرائيل
2- مناطق محفوفة بالمخاطر وقد تدخل دائرة الخطر الفعليّ وتقع في هذه الدائرة دول حوض دجلة والفرات (سورية والعراق) وبلدان الخليج العربيّ
3- مناطق توتر مائي قابلة للدخول في مستوى الخطر خلال عشرين عاماً أو ربع قرن وتدخل في هذه الدائرة دول حوض النيل (مصر والسودان) وتتفاقم مشكلة المياه مع زيادة النمو السكاني في المنطقة وبخاصة الهجرات تقلبات حارة وموجات جفاف ستؤدي إلى انخفاض حاد في منسوب المياه في الأحواض المائية المكشوفة والجوفية على حدٍّ سواء أو صيف 1998م وتشكِّل إحدى وقائع ذلك الجفاف ويحذِّر التقرير الأمريكي من مخاطر أي محاولة للسيطرة على المنابع المائية أو لاحتكار مياهها أو أي خلل في تقسيم الحصص تقسيماً عادلاً ومُنصِفاً لأن ذلك سيؤدي حسب رأي التقرير إلى حروب قد يتجاوز خطرها الشرق الأوسط فتهدِّد السلم العالمي.
دجلة والفرات وأهميتهما حوض الفرات
تبلغ مساحة حوض نهر الفرات (444) ألف كم2 تقع (28%) منها في تركيا و(17%) في سوريا و(40%) في العراق أما مشاركة الدول في الوارد المائيّ فتركيا تشارك بحوالي (94%) من مجموع الوارد المائيّ السنوي وما تبقى لسوريا والعراق بحوالي (6%).
يبلغ طول النهر (3330كم) موزعة على النحو التالي 455 كم في تركيا و675 كم في سوريا و1200 كم في العراق، يبلغ الوارد السنويّ للنهر حوالي (30) مليار م3.
حوض دجلة
نهر دجلة:- تبلغ مساحة حوض نهر دجلة (289) الف كم2 تقع (64.4%) منها في العراق و(19.9%) في تركيا و(12.5%) في ايران و (0.2%) في سوريا هذه النسب لا تعكس مستوى مشاركة كلّ دولة في الايراد المائيّ السنويّ للنهر فتركيا وحدها تشارك بـ 54.6% من التصريف المائيّ السنوي وإيران 11.8% والعراق 33.4% يبلغ طول النهر (1718) كم منها (300) كم في تركيا و44كم تشكل حدود سوريا و(1374) كم في العراق. وبالنسبة للوضع المائيّ فيبلغ معدل الوارد المائيّ السنوي لنهر دجلة خلال (1950-1987) حوالي (48) هكتار/ م2 بمتوسط تصريف قدره (681.8) م3/ الثانية.
أما مساحة حوض الفرات في سورية فهي حوالي 640ألف هكتار مازال جزء منها غير مستصلح ومساحته 140 ألف هكتار في الجهة الشرقيّة من الحوض وكانت خطط استصلاحه مقررة للبدء بها في مطلع التسعينات ولكن تخفيض نسبة جريان النهر بسبب سد أتاتورك أجل تنفيذ الخطة السوريّة يصل حبيب الفرات عند دخوله الحدود السوريّة إلى 4،31مليار م3 سنويّاً وباكتمال السدود التركيّة على النهر في عام 2005م انخفض الصبيب السنويّ إلى 15مليار م3 بلغ مجموع ما تختزنه تلك السدود 90مليار م3 مقابل 16 مليار م3 يختزنها سدا الفرات وتشرين في سورية و12مليارَ م3 يختزنها سدا حديثة والقادسية في العراق، ويعني هذا أنَّ ما تختزنه السدود التركيّة يفوق ثلاثة أضعاف كامل الوارد المائيّ السنويّ للنهر ويزيد على ثلاثة أضعاف ما تختزنه السدود السوريّة والعراقيّة أي أنّ حصة تركيا من مياه الفرات تفوق أضعاف مضاعفة حصتي سورية والعراق خلافاً للقانون الدوليّ الذي يحكم بقسمة منصفة ومعقولة للمياه ويعني هذا أن السدود السوريّة والعراقيّة التي كلَّفت البلدين أموالاً وجهوداً كبيرة ستصبح بدون جدوى وتفقد فوائدها كمشروعات للتنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة إذ ينبع نهر دجلة من تركيا وتغذيه في العراق أربعة روافد رئيسة جميعها تنبع من الأراضي العراقيّة وطوله من منبعه حتى مصبه في شط العرب 1900كم منها 485 كم في الاراضي التركية و1400كم تقريباً في الأراضي العراقيّة ويصل صبيبه السنوي إلى 42مليار م3 ويشكل حدوداً طبيعيّة بين سورية وتركيا لمسافة 37 كم وبين سورية والعراق لمسافة 7 كم أقامت تركيا على دجلة ثلاثة سدود صغيرة ثم يعبر النهر الأراضي السوريّة مسافة 45 كم وعلى الرغم من صعوبة الاستفادة من هذا القسم من النهر بسبب العوامل الطبوغرافيّة أقامت سورية مشروعاً للري من دجلة يتألف من محطتين للضخ وقنوات للري وسداً يختزن 718مليون سامراء وسداً ثالثاً في الكوت قبل أن يصب في شط العرب.
أهداف سياسيّة وأمنيّة عبر مسار الأنهار
ارتبطت سياسة تركيا المائيّة ارتبطت بقرارها السياسيّ، وقد حاولت تركيا أن تعطي لنفسها بشكل استثنائيّ استحقاقات تتعدى حدودها الجغرافيّة إلى باقي دول الجوار العربيّ المتشاطئة معها بنهري دجلة والفرات، ولطالما اعتبرت أنقرة في موضوع المياه ضالتها وجعلتها وسيلة ضغط سياسيّ لتحقيق طموحها بالمنطقة، لذا شكّلت السياسة المائية التركيّة أحد التهديدات السياسيّة في تأثيرها الجيوبوليتكيّ، وإنذار دول الجوار بالمخاطر ومنها العراق الواقعة أدنى مسار النهري دجلة والفرات، من خلال ما أنشأته وما تخطط إقامته من سدود وما يرتبط بها من مشاريع إرواء زراعيّة واسعة لبناء اقتصادها الذي سيكون دعامة أساسيّة لتقوية وزنها الجيوبولتيكيّ وقوتها بالمنطقة، وبخاصة أنّ تركيا تسعى أن تكون القوة الإقليميّة الكبرى في منطقة الشرق الأوسط ومن أجل أن تنهي القضية الكرديّة فيما تعتبره حركات انفصاليّة في مناطقها الشرقيّة وخاصة منطقة جنوب شرق الأناضول، والمشروع الزراعيّ يمكن أن تسهم بالتغيير الديمغرافيّ في المناطق تحت ذريعة الإنماء والتطوير والقضاء على البطالة في هذه المنطقة وجعلها مزدهرة اقتصاديّاً، والمعروف أنّ سكان هذه المنطقة غالبيتهم من الكرد، مع تركيبة متنوعة محدودة، عناصرها (الدين، اللغة، القومية).
كما تحاول تركيا ممارسة المزيد من الضغط على سوريا لاتخاذ سياسة موحّدة تجاه الكرد في البلدين مقابل المساومة مع سوريا في كمية الإيراد السنويّ من المياه المتدفقة.
كما تستخدم تركيا المياه ورقة مؤثرة على الأمن الغذائيّ والوطنيّ العراقي من خلال توسع تركيا في الحق القانونيّ المكتسب للعراق في مياهه من نهري دجلة والفرات. إذاً فتركيا ترى أن ورقة المياه سلاحٌ فعّال لتهديد العراق وتحاول جرّه لمسايرة سياستها وإيرادتها وبخاصة بمقايضة المياه بالنفط حيث أنّ تركيا تفتقر إلى المصادر الأوليّة الاستراتيجيّة كالنفط، كما أنّ أنقرة ترى من خلال موقعها الجغرافيّ في البيئة الإقليميّة المحيطة بها عنصراً حسّاساً لقوة الدولة. لهذا تلجأ في سياستها إلى المياه لأنّها ترى في المياه ثروة نادرة في منطقة الشرق الاوسط توازي قيمة النفط. وقد قال المسؤولون الأتراك هذا في مناسبات عديدة.
فروقات كمية المياه المستغلة قبل وبعد إنشاء المشاريع التركيّة
كانت تركيا تستغل نسبة (10%) من مياه النهر ولكنها قفزت بعد إنشاء المشاريع إلى نسبة (53%) من أصل صبيب الفرات البالغ (32) مليار م3 بعد أن كانت تستغل (3.2) مليار م3 قبل تنفيذ المشاريع، وزادت هذه النسبة إلى أكثر من (55%) من نهر الفرات فقط بعد انتهاء الأعمال في مشروع الكاب، علماً أنّ نهر الفرات ودجلة واردهما المائيّ السنويّ في الحوضين يبلغ (78) مليار م3 تشارك تركيا وحدها بمقدار (55) مليار م3 منه، والسبب في توضيح نسبة استغلال الفرات لأنّ مشروع الكاب تضمن إقامة سدود أكثر من تلك التي أُقيمت على نهر دجلة إذ أنّ عدد السدود الكليّ كان (25) سداً (4) منها فقط على دجلة والباقي على نهر الفرات ويعتبر مشروع الكاب من أهم وأضخم المشاريع المقامة على نهر الفرات.
من الأسباب التي دفعت بتركيا لتنفيذ مشروع الكاب، أنّها تعتبر أنّ مياه دجلة والفرات مياه تركيّة عابرة للحدود وليست مياه دوليّة، ولذا تمنح نفسها حق التصرف المطلق في مياه هذين النهرين حتى وإن كان تصرفها على حساب حصص كل من سوريا والعراق المتشاطئة معها. وعدم التزامها ببنود اتفاقية هلسنكي لعام 1976 التي تنصُّ على تقاسم حصص مياه الأنهار الدوليّة غير المخصصة للأغراض الملاحيّة بحسب نسبة مجموع مساحة حوض كلّ دولة فيها النهر فعلى سبيل المثال ستكون حصة تركيا نسبة (28%) وسوريا (17%) والعراق (40%). وبسبب عدم التزام تركيا بالاتفاقات الدوليّة وبنصوص القانون الدوليّ فإنّها أقامت العديد من مشاريع الري والسدود على نهري دجلة والفرات وآخرها مشروع الكاب الذي سيقلّل من حصة العراق من (15) مليار م3 سنويّاً الى (8) مليار م3، إذا تعهدت تركيا باستمرار تزويد العراق بـ(500) م3/ثا يوميّاً.

التعليقات مغلقة.