سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

تركيا تستدرج أوروبا إلى الفخ!

43
جمعة محمد –

ربما طرحت التصرفات الأخيرة للحكومة التركية التي يقودها حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان الكثير من التساؤلات وأثارت التعجب، خاصة أن التضييق الداخلي الذي تمارسه هذه الحكومة ارتقى إلى مستويات غير معقولة، وفي الخارج، ما تفعله تركيا بحق شعوب دول الجوار ليس خفياً على أحد.
وإذا ما أسهبنا في الحديث عما فعلته تركيا خارج حدودها، سنتذكر حتماً كيف فتحت هذه الدولة حدودها أمام مئات المتطرفين للدخول إلى سوريا ثم العراق وتشكيل ما يسمى “داعش” الذي سرعان ما صعد إلى الواجهة بفضل الدعم التركي كإرهاب قوي أسقط مدناً كبرى من سوريا والعراق تحت قبضته.
وفي سوريا أيضاً، تستهدف تركيا الوجود الكردي على الحدود بحجج أنه تهديد لأمنها القومي، وتشن هجمات عسكرية كل الهدف منها هو طرد الكرد وقتلهم قدر ما أمكن وتوطين أشخاص غرباء مكانهم تطبيقاً لسياسة التغيير الديمغرافي التي طبقت في عفرين وتطبق الآن في تل أبيض/ كري سبي ورأس العين/ سري كانيه.
بعيداً عن الحدود التركية، هنالك السيناريو الليبي الذي بات واضحاً مدى عمق التدخل التركي فيه لصالح “حكومة الوفاق”، وهو ما يطيل من أمد الأزمة في ذلك البلد ويرهق شعبه الذي يدفع ثمن سعي تركيا لكسب المزيد من النفوذ في المناطق التي كان العثمانيون يسيطرون عليها قبل قرن من الآن.
إذاً؛ تحدثنا عن أسئلة تطرح إزاء كل هذه الأمور التي تقوم بها تركيا، لكن ما هي؟
والسؤال ببساطة هو: لماذا لا يتحرك الأوروبيون لفعل شيء ما يوقف تركيا عما تفعله؟ وخاصة أن كل ما تفعله تركيا منذ أعوام يتنافى مع ما تنادي به دول القارة العجوز!
ربما لست أنا الوحيد الذي يطرح هذا السؤال، فما تقوم به تركيا الآن لا يتناغم مع سياسة دول الغرب التي لطالما تدّعي بأنها تساند قضايا حقوق الإنسان وتدعم الديمقراطية وحرية التعبير، وهي موطن لعشرات المنظمات الإنسانية والحقوقية وتزعم أنها لا تقبل بجرائم الحرب التي كثيراً ما ترتكب في الشرق، ولتركيا نصيب وافر منها.
بعد الغزو التركي للشمال السوري اتضح أن تركيا تستفيد من الصمت الأوروبي لتنفيذ مخططاتها في المنطقة، لا يمكننا القول في هذه الحالة سوى أن أوروبا شريكة لتركيا فيما تقوم به من تجاوزات تسببت بتدمير مدن وقرى في المنطقة وقتل وتشريد سكانها وإطالة أمد الأزمة هنا.
ربما لا يسر هذا خاطر أوروبا، لكنها الحقيقة، ولو لم تكن كذلك، كنا سنشاهد أوروبا في موقف مختلف من الانتهاكات والتجاوزات التركية.
لكن البعض يرى بأن أوروبا مجبرة على سلك الطريق الذي هي فيه الآن، وذلك لتعرضها لابتزاز تركي واضح وصريح.
منذ أعوام، وتركيا تهدد أوروبا بموجات هجرة جماعية، فتركيا الآن أشبه بما يمكن تسميته بـ”الخزان البشري الكبير للاجئين”، وذلك لإيوائها أكثر من 3.5 مليون لاجئ معظمهم سوريون، أيّ تسرب في هذا الخزان يتسبب بخلق كوابيس مرعبة لدى الدول الأوروبية.
تركيا ترى هذه الحقيقة، وتستعملها بشكل مناسب لتبتز الغرب في سبيل الحصول على الأموال ثم الدعم السياسي أو الصمت إزاء مشاريع تنفذها.
الدول الأوروبية تحركت قليلاً عندما بدأت تركيا غزو الشمال السوري الشهر الفائت، كنا نسمع تصريحات مناوئة للهجوم التركي، ونقاشات حادة داخل البرلمانات، وحظرت بعض الدول بيع الأسلحة لتركيا، لكن ذلك لم يُغير شيئاً على الأرض لأنه لم يكن بالمستوى المطلوب.
ورداً على ذلك، هدد الرئيس التركي الفاشي آنذاك أوروبا بموجة لاجئين جديدة، ولكن تركيا هذه المرة ابتدعت أسلوباً جديداً في الابتزاز، واستخدمت معتقلي مرتزقة داعش من الجنسيات الأوروبية لديها كوسيلة وطالبت الأوروبيين بإعادتهم، وهو ما لا تريده أوروبا.
ولا يعني هذا أن تركيا في موقف قوي، إذ أن كل ما تبنيه الآن من سياسات في المنطقة قائمة على أسس هشة لا يعلم أحد متى تنهار؛ واللعب على وتر التناقضات الروسية الأمريكية ربما مثال واضح على هذا.
هذه السياسة التركية توقع الدول الأوروبية فيما يمكننا تسميته بـ”الفخ”، أوروبا تتخلى عن مبادئها، وتسير خلف تركيا وتقدم الدعم لها لتنفيذ مخططات التغيير الديمغرافي، التطهير العرقي، التضييق على الحريات والصحافة والمضي في نظام حكم ديكتاتوري استبدادي.
تركيا الآن تطلب من أوروبا دفع أموال ودعم خططها لإنشاء ما تسميها “منطقة آمنة” شمال سوريا، وهي عبارة عن خطة لتوطين أكثر من مليون لاجئ سوري شمال سوريا تحت إشراف تركيا التي تضمن أولاً: إحداث تغيير في التركيبة السكانية على حدودها مع سوريا، وثانياً: ضمان المنطقة المقصودة كمنطقة نفوذ تركية تزيد من دور تركيا في رسم مستقبل سياسي لسوريا، وليس مستبعداً أن تضم تركيا هذه الأراضي إلى دولتها مستقبلاً، ليتحقق بذلك حلم القادة الأتراك.
على وقع هذا الحال، لا نستطيع توقع أي شيء من أوروبا التي تخسر بفضل ما تفعله تركيا مكانتها في المنطقة، وما نتوقعه بعد الآن أن لا أحد سيستمع إلى محاضرات أوروبية عن حقوق الإنسان والحريات والعدالة، طالما هي تدعم ولو بشكل غير مباشر تركيا التي سلبت أرواح الآلاف من المدنيين خارج حدودها سواء عبر جيشها أو المجموعات المرتزقة التابعة لها.