سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

في تعريف الثورة

رامان آزاد –
تُعرَّف الثورة بأنّها التغيير والانقلاب على الواقع وخلق واقع جديد هو محل توافق عام، وبذلك لا تنحصر الثورة بالسعي إلى إسقاط نظام سياسيّ أو تبديل الشخصيات، بل تتجاوزه لتكون مرحلة مفصليّة، تقطع العلاقة مع الماضي بكلِّ تفاصيلها وتنطلق إلى مرحلةٍ جديدة، ولا يمكن أن نعيشَ الثورة ونحمل في أعماقنا الولاء للماضي، بل نتطلع بكلِّ ثقة إلى الحاضر ونستشرف آفاق مستقبل أفضل، وبالتالي؛ هي إحداثُ تغييرٍ جذريّ في مختلف جوانبِ الحياة.
الإنسان هو أداةُ الثورة وهدفُها
الثورة مفهوم غير قابل للاجتزاء، تطالُ جانباً من الحياة وتتجاهل آخر، أو تستجيب لمطالب فئة وتتعامى عن فئة أخرى، وعندما تكون الثورة على نظام استبداديّ شموليّ فمن المهمِ التخلّص من كلِّ عوامل الخوف والعوائق النفسيّة التي تمنعُ تحقُّقَ الشخصيّة، وإظهارُ كلِّ مفرداتِ الشخصيّة الثوريّة النضاليّة التي تتحلّى بالشجاعة والإقدام وحُسن المبادرة والثقة بالذات والصدق ومطابقةِ العملِ بالشعار المطروح، وبذلك تصبح مؤهّلة لتكون القدوة القادرة على قيادة الجماهير والمستعدة لافتداء غايات الثورة النبيلة، وبالتالي فالثورة يجب أن تفجّر كلَّ الطاقات الكامنة والقدرات التي طالها القمع فتمَّ كبتُها, وبذلك تتمكن من خلقُ بيئة جديدة خليقةً بأن ينمو في رحابها الخير ويتفتح الإبداع، وهنا نجد أنّ الثورة تنطلق من أعمق ما لدى الإنسان وأعزِّ ما لديه من مشاعر وأنبل الأحاسيس، وليكونَ الإنسانُ نفسَه، بعد طول الغياب والتغييب.
من أهمِ الأسبابِ التي أدّت إلى سقوط الثورة السوريّة رغم حيازتها كلَّ عوامل الشرعيّة ووجود الأسباب الذاتيّة والموضوعيّة للثورة، أنها لم تنطلق من بناء الشخصيّة الثوريّة المؤمنة بالتغيير، فالإنسان هو أداةُ الثورة وهدفُها.
الكثيرون من أقطاب المعارضة كانوا يظهرون على الشاشات ويتحدثون طويلاً عن الفساد الإداريّ لكنهم استندوا إلى روايات وتجارب شخصيّة لم ترتق للمستوى الوطنيّ، واستخدمت لغة طائفيّة فئويّة، فاختزلت الجماهير والأفكار، وعملت على تجييش المشاعر وتأليب الناس وتحفيزهم على الخروج للتظاهر والصراخ في الشوارع. كان تخيّل نجاح الثورة وتحقيق أهدافها ضرباً من المُحال، إذ ليس من السهل تغيير نظام راسخ البنيان يستند لمنظومة أمنيّة دقيقة، عن طريقِ جموعِ من الناس تخرجُ للشوارع على عجلٍ في مسيراتٍ استعراضيّةٍ لبضع مئات من الأمتار وقد تمّ تلقينهم شعارات طائفيّة مذهبيّة ضيقة فراحوا يرددونها ببغائيّاً، لم تكن تلك المشهديّة كافية لتعكس حقيقة الثورة، ولكن الصورة التي تناقلتها وسائل الإعلام فعلت فعلها، ودُعمت بمواقف سياسيّة من الحكومات والدول، وإلا فماذا كان يعني شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»؟ ألم يكن من الأجدى أن يصدح الشعبُ بشعاراته ومطالبه بلغةِ المتكلمِ فيقول بأعلى الصوت: «نريد إسقاط النظام» ليكون وجوده مقترناً بحضور إرادته؟ ألم تؤكّد صيغة الشعار غيابَ الإرادة؟
الأغرب من كلّ ذلك أنّهم طالبوا بإسقاط النظام دون تصوّرٍ للبديل، ولكنهم لم يتبنّوا آليات التغيير، فكلّ القضايا بنظرهم بما فيها المعيشة اليوميّة مؤجّلة بانتظار إسقاط النظام، ولم تهتمِ الثورةُ لقطع الطرقات والأزمات الخانقة جرّاء تعطيل الحياة، وكانت مستعدة منذ البداية للتعاون مع جهات الدنيا الأربع واستقدام المرتزقة في سبيل تحقيق هدف إسقاط النظام، وبذلك ناصبت العداء لأطياف السوريين الذين لم يُستدرجوا إلى العسكرة، لا بل إنّ الاستهداف المسلّح لمناطق سوريّة وبعض المكوّنات أَضحى هدفاً أساسيّاً، فالثورة التي وقعت أسيرة سلطان العثمانيّة الجديد لم يسعها أن تفهمَ أنّ إسقاط النظام لا يمرُّ عبر الكرد والهجوم على مناطقهم.
وعي الثورة من أهم عوامل نـجاحها
الوعي هو المُعوَّل عليه لتصحيح مسارِ الثورة من الشططِ عندما تخرجُ عن أهدافها، وهو الذي يحفظها من التخبُّط، ويضمن عدم انقلابها على نفسها، ولأنّ المرحلة المُعاشة خلال الثورة هي مخاضُ التغييرِ وهي على درجةٍ كبيرة من الحساسيّة، فمن المحتمل أن تقعُ أخطاءٌ هنا أو هناك في سياق إحداث التغيير، بسبب روح الحماسة واندفاع الشباب أو حتى ارتجال المواقف، ولا يمكن بغير الوعي ضبطُ إيقاع الثورة وضمان عدم ارتهانها لقوى خارجيّة. فالعالم لا يغفل عن الثورة، ويبادر ــ عندما يرى النظام السابق يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الثورةــ للترحيب بالثورة والإقرار بها، رغبةً في استمالتها واستيعابها، إذ يخشى على مصالحه عندما يصبح النظام العام في البلد في عهدة أيدٍ وطنيّة.
من أولى أخطاء الثورة السوريّة أنّها لم تستند لوعي كافٍ يراعي الخصوصيّة السوريّة بتعدد المكوّنات واختلاف التاريخ وطبيعة التحالفات والعلاقات السياسيّة، فتمّ استنساخُ التجربة التونسيّة أو المصريّة، وكان واضحاً للعيان منذ البداية صعوبةُ المطابقة، فالبوعزيزي السوري كان باهتاً ولم يكن هناك ميدانُ تحريرٍ في سورية، كما يدرك «ثوار سورية» أنّ من أسقط زين العابدين ومبارك لم يكن الحراك الشعبيّ، بل رفعُ الغطاء الأمريكيّ عنهما، وهذا عاملٌ غير متوفر في الحالةِ السوريّة، وتجاهلت الثورة السوريّة طبيعة النظام السياسيّ في سورية الذي يعتمد بدائل أخرى في تحالفاته، ولم تدرك أنّ أصدقاء النظام لن يتخلوا عنه. ومن الطبيعيّ أنّ ثورةً لا تدرك على من انقلبت أن تصبح ألعوبة بيد قوى إقليميّة، فتلاعبت بشخصياتها كيفما شاءت، وبالتالي استهلكت الثورة كلَّ شعاراتِها سريعاً، وتحوّلت البلاد إلى ساحاتِ حربٍ مفتوحة على ذمةِ أجندات أُقحمت قسراً في الميدان السوريّ، وتحوّلت إلى معاول تهدِم بنيان المجتمع وتحيله خراباً، ولكنّ البعض ظلَّ يعاند متمسكاً باسم الثورة.
الوعي المجتمعيّ الذي ينجم عنه ظاهرة خروجُ الشعب إلى الساحات لتحقيق غاية مباشرة هي «التغيير» يُعتبر فعلاً ثوريّاً بكلِّ ما للكلمة من معنى، وذلك لأنّ الشعبَ كان الغائب الأكبر والأساسيّ في الفعل السياسيّ السوريّ العام، ولطالما اتّصف المجتمع السوريّ بالمجتمع المدنيّ الغائب والمغيّب. وهذا يحيلنا إلى التساؤل عن طبيعة التحرّر الذي ناله الشعب السوريّ وشعوب الشرق الأوسط خلال تلك المرحلة.
ثورة روج آفا كانت ثورة المجتمع
من أهم ملامح التميّز وأسباب نجاح ثورة روج آفا أنّها قرأت الواقع السياسيّ والاجتماعيّ جيداً في سورية، ولم تنطلق من فراغٍ، ولم تتبنَّ إسقاط النظام هدفاً أساسيّاً، بل إنجاز جملة تغييرات في بنية المجتمع السوريّ، إذ هي أدركت أن لا ثورة يمكن أن يكتب لها النجاح ما لم يتلمس أبناء المجتمع حجم التغيير فيها، وأنّهم هدف الثورة، ولذلك كان اللافت توجّه الثورةِ إلى المرأةِ لتحريرها من عِقال تخلف العادات والتقاليد المجتمعيّة والضغوط السياسيّة وقصور النص القانونيّ وشموليّة الوصاية، وليتحرّر بذلك نحو نصف طاقات المجتمع، وجعلت الشباب محرّك الثورة وجوهرها، ولذلك لم تكن ثورة روج آفا نموذجاً مستنسخاً لثورة أخرى، بل كانت ثورة وطنيّة، استجابت لضرورة المرحلة واستطاعت تعبئة الجماهير وتمكينها من تنظيم نفسها ذاتيّاً لتؤديَ كلُّ فئة مجتمعيّة دورَها المطلوب من غير وصاية على أحد، لأنّ من أخطر ما اُبتليت ثورتا تونس ومصر هو الوصاية الحزبيّة وهو ما أدّى إلى سرقة الثورة بالكامل وإظهار الأخوان المسلمين ووصولهم إلى السلطة، فيما انزلقت الثورة السوريّة إلى الصراع المسلّح متجاوزة ليبيا واليمن.
لم تنطلق ثورة روج آفا خالية الوفاض، أو أنّها حصرت نفسها بتنظيم التظاهرات في الشوارع، وإنّما حضّرت خطوات الحراك الثوريّ وصياغة الشخصيّة الثوريّة التي تعي تماماً أسباب الثورة والمؤمنة بأهدافها والجادة بالعمل لتحقيقها، ولأنّها جعلت المجتمع وخدمته هدفها الأساسيّ، فقد بقيت في منأى عن الاستدراج إلى الصراع من أجل السلطة، ووجدت أنّ نفسها على الدوام بالعمل التنظيميّ والشعبيّ، بالتوازي مع التنوير الثقافيّ ولذلك كان مواضيع النشاط الثقافيّ وافتتاح مراكز الثقافة وتعليم اللغة الكردية من أولى النتائج التي عاينها المواطنون، والمسألة كانت ترتكز إلى فهمٍ عميقٍ لمعنى الديمقراطيّة، وأنّها يجب أن تُؤسس على أرضيّةٍ متينةٍ من الوعي والثقافة ليتمكّن المجتمع من إنجازِ التغيير المطلوب، فيما كان الحراك العبثيّ في الشوارع مستمراً في أنحاء البلاد تغذيه أموالٌ مشبوهةٌ تُضخُّ له من الخارج، وترافق بالتطاول على الممتلكات العامة والخاصة باسم الثورة ليكرّس بيئة الفوضى والتي آلت إلى أعمال سلب ونهب وخطف وصولاً للقتل على الهوية وعلى سبيل الهواية والتشفّي.
ويمكن القول: إنّ ما حدث في سورية كان إرهاصات ثورة جماهيريّة توفّرت كلّ أسبابِها، ورغم التحفظ على شُبهة التوقيت، إلا أنّها استوفت شرائطها من أجل التغيير وإنجاز التحوّل الديمقراطيّ وحلّ كلّ القضايا المجتمعيّة وفي مقدمها قضية كرد سورية، ولم يكنِ الموقف في روج آفا مخالفاً لإرادة الشعوب السوريّة بالتغيير، ولكنها لم تكن في وارد الارتجال، فآثرت أن تتوقف تستعرض مجريات الأحداث وتقرؤها بتمعُّن واستفاضة.
ثورة روج آفا التي تجاوزت مراحل العقم الفكريّ والمراوحة في التاريخ وخرجت على أطر الدولة القوميّة المتحجّرة، كانت محلَّ استهداف العثمانيّة الجديدة، عبر مرتزقتها في كوباني وأخيراً عبر التدخّل المباشر واحتلال عفرين، وإذا كانت الثورة قد عبرت كلّ المحطات المفصليّة في طريقها فإنّها ستتجاوز المرحلة الحالية وتغني بتجربتها الميراث النضالي العالميّ.