رامان آزاد
مساء الأمسِ؛ قُصفت مدينةُ حلب من قبلِ الفصائلِ الموالية لأنقرة، واُستهدفت أحياءٌ في عُمقِ المدينةِ (الجميليّة والسريان الجديدة)؛ ما أودى بحياة مواطنٍ وإصابة عددٍ آخرين.
قصف الأمس لم يكن مفاجئأً، فالمدينة في مرمى الاستهداف من حين لآخر، وهي محاصرة عبر مناطق الريف اعتباراً من جرابلس والباب شرقاً ومارع وإعزاز وعفرين شمالاً إلى ريف حلب الغربيّ، وأقرب مناطق التماس هي حي الليرمون وحي الراشدين.
ومادام القصفُ يأتي من مجاميعَ مرتزقةٍ مرتهنةٍ لأنقرة؛ فهي رسائلُ تهديدٌ بإمكانيّة فتحِ الجبهاتِ مجدداً، وتأتي بُعيد إرسال وحدات عسكريّة إلى شمال وشرق سوريا وانتشارها في بعض مناطق الحدود، وكان أسلوبُ فتحِ جبهاتٍ إضافيّةٍ متبعاً طيلة سنواتِ الأزمة، عندما تكونُ إحدى الجبهات مشتعلة، بحيث تتعددُ الجبهاتُ فتكون إحداها رئيسية والثانية للمشاغلة أو لرسائل الضغط والتهديد. وطبعاً يأتي القصف على حلب بالتوازي مع اجتماعات اللجنة الدستوريّة في جنيف، ليكون رداً غير مباشر عليها أيضاً.
أنقرة لم تسلم أبداً بمقتضياتِ توافقِ أستانه حول إدلب ولا باتفاقِ وقفِ إطلاق النارِ مع الأمريكيّ ومن بعده مع الروسيّ، وتريدُ أن تؤكدَ أنَّ معركتها شمال وشرق سوريا لا تعني أبداً التخليَ عن مناطقِ غرب الفرات، وأنّها ليست في موقفِ الدفاعِ والانكفاءِ، بل تملكُ إمكانيّةِ المبادرةِ والهجوم، وأن لديها من القوةِ ما يكفي لعملِ ذلك.
ولكن المسألة لا تنحصر بمعطياتِ الميدان فقط، بل إن كلّ تصعيد ميدانيّ يُراد به تعزيز قوة تفاوضٍ، ما يمكّن أنقرة من مزيد من الابتزاز للقوى الكبرى، فهي تعلم أنّ واشنطن وموسكو في مكانٍ ما وتخشى أن يكون الاتفاق على حساب خطة تدخلها في سوريا.
من المؤكد أنّ دوافعَ ما يُسمّى “المعارضة السوريّة المسلحة” قد تجاوزت الجغرافيا السوريّة الوطنيّة وأحرقت كلّ شعاراتها، وانحصرت في عناوين مذهبيّة صرفة وشعارات عثمانيّة، وكلّ أسماءِ الفصائلِ التي تمَّ جمعُها مؤخراً بمسمّى “الجيشِ الوطنيّ” لها دلالات مذهبيّة وعثمانيّة، وتعملُ بالتنسيقِ مع الجيشِ التركيّ والاستخبارات التركيّة وبتوجيهاتٍ مباشرةٍ من حكومةِ أنقرة.
من غير المتوقع أن تكون هناك نهاية قريبة للأزمة السوريّة، والتعويل ما زال على الأسلوب العسكريّ والتصعيد الميدانيّ، وقد باتت كل مناطق المعارضة هي في الوقت نفسه مناطق النفوذ التركيّ، وهو ما أرادته لتكون لاعباً أكثر فاعليّة بالأزمة السوريّة تتحكم بها وتفرض شروطها.




