طلال حسن درويش
تتعرض مدينة سري كانية (واشو كاني) مهد الحضارة الميتانية وثقافة تل حلف مرة أخرى منذ التاسع من تشرين الأول المنصرم لهجمة شرسة تشبه الغزوات الهمجية لأسلاف أردوغان رئيس الجمهورية الدموية التركية. ومنذ ولادتي في مدينة سري كانيه وهي تتعرض للسياسات القمعية والإجراءات الشوفينية لتغيير ديموغرافيتها، من قبل نظام البعث وهناك الكثير من الإجراءات اتخذت بحق أهل المنطقة ولا سيما الكرد.
وما نراه اليوم يدمي له القلب ونحن في القرن الواحد والعشرين وأمام مرأى العالم أجمع، بعد أن دفعت روسيا البوتينية أرودغان بشن عدوان على مناطق شمال وشرق سوريا؛ لتحقيق هدفين استراتيجيين هما التصادم التركي الأمريكي وابتعاد أنقرة أكثر من الغرب والناتو والارتماء في الحضن الروسي. والهدف الآخر استسلام الكرد وإرجاع المناطق التي تحت سيطرتهم لنظام دمشق، وسحب هذه الورقة الضاغطة والفعالة كما يصفونها في الشأن السوري من يد الأمريكان، وهذا ما تبين في الاجتماع الذي انعقد في أنقرة بين أردوغان وبوتين وروحاني رؤساء الدول الثلاث الضامنة لاجتماعات آستانا بتاريخ السادس عشر من شهر أيلول هذا العام، حيث اتهموا القوات المتواجدة في شمال وشرق سوريا بالإرهابيين والعملاء، والادعاء بأن هناك محاولات أمريكية لتقسيم سوريا.
وقرار ترامب بانسحاب قواته من سوريا أتاح فرصة كبيرة للدولة التركية الاستعمارية وروسيا لهندسة الوضع السياسي والعسكري في سوريا، وبخاصة لصالح روسيا في الدرجة الأولى، وفتحت الأبواب على مصراعيها لغزو الدولة التركية الفاشية على شمال وشرق سوريا، مستخدمة بذلك المجاميع الإرهابية كداعش وجبهة النصرة وأخواتهم من المجموعات المرتزقة الأخرى؛ بهدف إبادة الشعب الكردي الذي يعيش على أرضه التاريخية منذ آلاف السنين، والقضاء على وجوده وتغيير ديمغرافيته وعلى مشروع الإدارة الذاتية التي يلعب الكرد فيها دوراً أساسياً.
وفور احتلال منطقتي سري كانية وكري سبي والعديد من القرى؛ قام الجيش التركي ومرتزقته بتهجير مئات الآلاف من الكرد والشعوب الأخرى في تلك المناطق بقوة السلاح والقصف الجوي والمدفعي، واستخدمت الأسلحة المحرمة دولياً كالفوسفور الأبيض وارتكبوا العديد من الجرائم ضد الإنسانية كالإعدامات الميدانية للمدنيين، والقتل على الهوية وتصفية السياسيين والخطف والإخفاء القسري، والنهب والسرقة وحرق الممتلكات؛ ما أدى إلى نزوح شعوب المنطقة خوفاً من بطش وإرهاب هذه المجاميع المتطرفة، وذلك حسب العديد من التقارير الدولية والصحفية والأممية ومنظمة أطباء بلا حدود، إضافة إلى البدء بعملية التتريك والتعريب وتشكيل دوائر بأسماء عربية وتركية.
ومن الأهداف الاستراتيجية للعدوان التركي هو بناء المستوطنات وإحداث التغيير الديمغرافي وتمزيق المجتمعات، وجغرافية شمال سوريا بعد أن احتلت كل من جرابلس والباب واعزاز وعموم مقاطعة عفرين، وصولاً إلى احتلالها الآن لمناطق سري كانيه وكري سبي وهي تحاول احتلال كل من زركان ومنطقة تل تمر والقرى التابعة لهما؛ لتفتيت المناطق ذو الغالبية الكردية، عبر توطين اللاجئين السوريين والجماعات المرتزقة المتطرفة، وتجريد الكرد من أي من عوامل المقاومة، وخنق تنميتهم الثقافية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، والاستمرار في التغيير الديمغرافي لمناطقهم عبر خلق وقائع ديمغرافية جديدة تبرر لاحقاً احتفاظ الأتراك بتلك المناطق التي احتلتها، وشل دور الكرد كشعب له تاريخ عريق يمتد لآلاف السنين؛ وبذلك يمنع الكرد من حل قضيتهم كشعب ضمن الجغرافية السورية الواحدة.
وعلى الرغم من التعاطف الدولي مع قضية الشعب الكردي، ومع قواته المقاومة التي أنقذت الإنسانية من أعتى تنظيم إرهابي، والإدانات وشجب العدوان التركي من قبل أغلب الدول في العالم، وكافة أعضاء مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومن قبل صناع القرار الأمريكي. لكن؛ حتى الآن لم تصل إلى حد إصدار قرار ملزم ضد العدوان التركي ومخططاته الإجرامية، وهذا لا يعني أن مشروع أردوغان وبوتين والنظام السوري قد انتصر، وأن الشعب الكردي فقد كل مكتسباته، من المؤكد أن الاتفاقيات الروسية الأمريكية التركية، أدت إلى تغيير قواعد اللعبة السياسية والعسكرية، وبعض التوازنات، وهناك العديد من أوراق التفاوض القوية لدى الإدارة الذاتية من مؤسسات عسكرية وأمنية وإدارية تدير أمور ملايين الناس، وكذلك جغرافيتها الشاسعة وسيطرتها على عصب الاقتصاد السوري من النفط والثروات الباطنية والثروة الزراعية الكبيرة، ولا زال الدعم الأمريكي ودول التحالف قائماً، والقضية الكردية أصبحت على الطاولة الدولية، إلى جانب التعاطف الدولي الكبير، ولم يعد ممكناً الاستمرار في إنكار هويته وثقافته وحقه في الحياة وإدارة نفسه.




