الحلّ السياسيّ
رامان آزاد
يبدأ الحلّ الساسيّ للأزمة السوريّة بإعادة الاعتبار القانونيّ والتاريخيّ والواقعي لثلاثيّة المصطلحات (الوطن والدولة والنظام)، وترتيب أولويتها، وعدم تجاوزِ الفرعِ على الأصل.
الوطن حياضُ الحياةِ، وهو الإنسانُ فرداً والمجتمعُ على مستوى العلاقاتِ المترابطةِ الممثلة بالوجدانِ الجمعيّ والقيمِ الأخلاقيّة والمجتمعيّة والميراثِ الثقافيّ والتعدديّة القوميّة والدينيّة. والوطنُ هو الأصلُ المانحُ للشرعيّة للدولةِ والنظامِ.
الدولةُ هي البناءُ المؤسساتيّ الذي يُعنى بالخدمةِ المجتمعيّةِ (الصحيّة والتعليميّة والأمنيّة والقانونيّة والمرافق)، ويستمدّ شرعيته من التفويضِ المجتمعيّ، والأداءُ هو معيارُ الاستمرار بالوظائف والمناصب. وللدولة رموز كالعلم والنشيد وتمثيل دبلوماسيّ.
النظام القائم (الحاكم) وهو لا يعني أفراداً بعينهم، بل الفكر الذي يديرُ المؤسسات والتموضع السياسيّ وأسلوب الإدارة وقيادة المجتمع وقد يكون النظام علمانيّاً أو دينيّاً، قوميّاً أو تعدديّاً، مركزياً أو لا مركزيّاً.
وتُفهم أبعادُ الأزمة وتتبدى بوضوح بسعي المعارضة للوصول للحكم وتملك زمام السلطة، واستهداف مؤسسات الدولة والإساءة إلى روابط المجتمع ومبادئ العيش المشترك، والارتهان للخارج. ومع اندلاع الأزمة أضحى النظام القائم طرفاً فيها وبشكل طبيعيّ لم يعد مرجعية الحلّ السياسيّ ولا ممثلاً لكلّ السوريين، ولكنه مع تمسكه بالسلطةِ احتفظ لدرجةٍ ما ببنىً مؤسساتيّةٍ مهمة كالجيش والأمن ودعمه حلفاؤه، فيما تراجع مستوى الخدمات والمعيشة وعدد السكان.
الحلّ السياسيّ يبدأ من الاعتبار الوطنيّ أساساً مشتركاً وحجةً على الجميع، دون وصاية عليه. وفي وطن أُثخِنَ بالجراحِ وعانى ويلات الحرب، فإنّ أيّ دعوةٍ للاجتزاءِ والثأريّة لن تسهمَ بالحلّ السياسيّ، فالوطنِ حضنٌ الجميعِ وهو لا ينتقم، بل يأخذ القانون مجراه والكلّ متساوون أمامه وهو مستقلٌ ومن اختصاصِ الدولةِ.
أي حديث عن الدستور يجب أن يأخذ الاعتبارَ الوطنيَّ أساساً، فلا يكون قانونَ الغلبة، بل يؤطر قانونيّاً الحضورَ المجتمعيّ الطبيعيّ لكلِّ الشعوب، ولا يحابي الأغلبيّة فيطمسَ حقوقَ الشعوب الأقل عدداً. وفي دولةِ المواطنةِ لا اعتبارَ لانتماءِ الأفرادِ القوميّ والمذهبيّ والحزبيّ، فالوطنيّةُ حجّةٌ على الجميع. ولكن؛ تشكيل اللجنة الدستوريّة لم يراعِ الأسس الوطنيّة بقدر ما استجاب لإرادة الدول المتدخلة في الشأن الوطنيّ.
من المستغربِ قيامُ الإعلامِ المحليّ وبعض الشخصيات بتوزيع شهاداتِ الوطنيّة وتوجيه تهمِ الخيانة، لأبناءِ شمال وشرق سوريا وبواسلِ قوات سوريا الديمقراطيّة، وهم جزءٌ من الوطنِ، وبخاصةٍ في ظروف حسّاسة من الإرهاب وعدوان أنقرة على الوطن. والصحيح اعتماد منطق الدولة الوطنيّة وتعزيز المنظومة الدفاعيّة للبلاد لتأخذ هذه القواتُ مكانها الطبيعيّ فيها، ليس من قبيلِ الاحتواءِ وإنّما التوافق الوطنيّ على مستوى النديّة في الواجب والدور، والتأكيد على دور الدولة الخدميّ وصيانة الحياة، وأنها لا تحضر في الجغرافيا الوطنيّة لتسيطر بمنطقِ الغلبة.




