سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الإدارة الذاتيّة.. احتضان للثقافات والشعوب

تحقيق/ فيروشاه أحمد –
ربما يحلو للبعض أن يقول: إنَّ هذا الاصطلاح أو النظام الاجتماعي وليد السنوات الأخيرة من القرن العشرين، أو بضع مئات من السنين الماضية، لكن لو عدنا للتاريخ وما يحمله لنا من هذه الثقافة المجتمعية التي انطلقت من أعالي ميزوبوتاميا قبل أكثر من عشرة آلاف سنة، من تلك المجموعات البشرية، كانت أولى الأبجديات لهذه الثقافة التي زرعت بذور التآلف والتعاون والإدارة بين الجميع، ولم تكن هناك قيادة أو سلطة أو حالة ذكورية تدعو للسلطة والهيمنة.
لم تكن هناك برامج أو نظام داخلي يتفق عليه الكل من أجل توزيع العمل الخاص بالمأكل والمشرب والملبس وغير ذلك، بل جلَّ ما كان يجمع الكل هو الحالة الطبيعية بين كل أفراد المجموعة وبإدارة المرأة التي كانت تقود المجموعة بسوية مجتمعية لا فرق بين الجنس والعمر والانتماء، ومن هذه الإدارة انطلقت هذه الثقافة وشملت كل المنطقة حتى نهاية حضارة تل حلف في الألف الرابع قبل الميلاد.
في هذه الأثناء سطعت ثقافة جديدة يتزعمها الرجل الذي نصب نفسه إلهاً في أعلى الهرم السلطوي، بعد أن قسم المجتمع إلى طبقات وشرائح كلاً حسب انتمائه للملك المقنَّع، وبات الصراع واضحاً بين الثقافتين، ثقافة الأم الآلهة التي تدعو إلى السوية المجتمعية، وثقافة السلطة والهيمنة التي يعمل عليها الرجل.
تعريف الإدارة الذاتية
تتألف كلمة الإدارة الذاتية من كلمتين:
الإدارة: نشاط يسعى الإنسان من خلاله إلى تحقيق هدف ما، بعد تسخير كل إمكاناته المادية والمعنوية.
الذاتية (الذات): وهي مجموعة اتجاهات يتميز بها الشخص من مشاعر وحالة نفسية وثقافية تتحكم بسلوكه.
بالمحصلة هي صفة إنسانية بخصوصية ذهنية وثقافية مشتركة لأكثر من مكون، ويقصد بها تنظيم حياة الناس، كي يتحقق استقلالهم الذاتي من كل المفاهيم البيروقراطية السلطوية.
وهي ترجمة عملية للديمقراطية في مؤسسات المجتمع وبين الجماهير، كي تصبح قوة مجتمعية مادياً ومعنوياً لحاجة الناس والحفاظ على ديمومة واستمرارية الحياة المشتركة، تمثل الحداثة الديمقراطية وتقف وجهاً لوجه أمام الحداثة الرأسمالية، وفي الوقت نفسه؛ تعمل على إحياء وتفعيل القيم الأخلاقية وكل المبادئ التي تخص الإنسان من أجل الوصول به إلى الحياة الحرة، وتمثل هذه الإدارة الذاتية أجمل تمثيل وتعبير ملموس عن معاني وقيم الأمة الديمقراطية، كي تصبح سلوكاً وممارسة عملية لهذه المفاهيم والمعاني، من خلال تمثيلها بين الجماهير حتى تصبح هيكلية تنظيمية للنظام الديمقراطي والكومونالي، حينها يمتلك المجتمع قراره بيده من خلال أخلاقيات وسياسات تشمل كل الشرائح، في حين تصبح السلطة والسلطوية والحزب الواحد في دهاليز الغيبوبة.
صراع الثقافات
كخطوة استباقية من قبل النظام الرأسمالي تجاه الشعوب وحركات التحرر؛ تعمد إلى التحكم بالتطور الاجتماعي لدى هذه الشعوب، كي تحافظ على نظامها الاقتصادي، وقد عملت وما زالت تعمل على تقديم ودعم الثورات المضادة ضد كل نظام ديمقراطي، ولم تعد الثورة المضادة ثورة مسلحة فحسب، بل هي ثورات متعددة الأشكال، ثورات مضادة بعباءة ثقافية وعلمية واقتصادية وغيرها، غايتها إعاقة انعتاق شعوبها من التبعية وبقائها في ظل عبوديتها.
لقد كانت الإدارة الذاتية بمفاهيمها المجتمعية من أكثر المفاهيم التي وقفت أمام تغلغل النظام الرأسمالي في حياة الشعوب، ولا يخفى على أحد أنَّ هذه الثقافة القديمة المتجددة باتت فلسفة وعلماً يتمسك به أغلب المجتمعات ومنذ آلاف السنين، بالمقابل لم تتوقف الصراعات الثقافية يوماً بين الأنظمة السلطوية بين الثقافات المجتمعية في الوقت الحاضر، فكان للمؤلف صامويل هنتنكتون (صراع الحضارات) بمثابة نداء واضح بأن الاختلافات الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية وغيرها لم تكن أسباباً للغزو والاستعمار، ولن تكون بالوقت نفسه محاور رئيسية للنزاعات بين البشر وبخاصة في السنوات القادمة.
في البدء كان الصراع ثقافياً بين الأنظمة، لكن بذرائع اقتصادية أو أيديولوجية، لأن لكل مجموعة بشرية منظومة ثقافية تختلف عن الأخرى، وهذا الاختلاف سبب جوهري لكل الصراعات الحالية والمستقبلية، لأن الأيديولوجيات أو السياسات يمكن أن تتبدل أو تتغير، لكن الثقافات تبقى ثابتة كموروث إنساني واجتماعي، والكرد وعبر التاريخ هم أصحاب هذه الثقافة المجتمعية، بل يعود لهم الفضل في نشر هذه الثقافة لكل الجهات والشعوب، وفحوى هذه الثقافة عند الكرد كمثال؛ هي التعايش السلمي والمشترك مع الآخر، وفق إدارة ذاتية لها قواعدها وأسسها، من هذا المنطلق تعمل القوى الكبرى والأنظمة القومية في الشرق الوسط على إلغاء أو إبادة ثقافات هذه الشعوب.
ليس من باب التعصب أو المغالاة، بل للحقيقة فقط، يمكن القول: إنَّ الثقافة التاريخية عند الكرد تختلف نسبياً عن ثقافات الآخرين كونها موغلة في التاريخ قبل ولادة الحضارات المادية في الألف الرابع قبل الميلاد، لهذا لم يكن لـ (ناران سين) أي ذريعة أو مبرر اقتصادي أو عرقي لغزو المناطق الكردية في أعالي ميزوبوتاميا في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، إنما كان الغزو يهدف إلى هدم الثقافة المجتمعية الكردية، لأن نارام سن بنى سلطته على أسس غير مجتمعية قوامها الهيمنة والفردية.
لو تتبعنا التاريخ لوجدنا أغلب الغزوات والحروب كانت غاياتها نسف ثقافة الآخر، حتى الاسكندر المقدوني الذي اجتاح أعالي ميزوبوتاميا بخيله وجيشه عمل على إحراق الثقافة الكردية (حرق أجزاء من زند أفستا) لكنه تيقن بأنها ليست وسيلة ناجعة، فعمد على دمج ومزج الثقافتين الشرقية والغربية فنتج عنها ثقافة جديدة (الهلسنتينية)، وعمد على المصاهرة السياسية حين تزوج روكسانا (روشنك) وقتها فتجاوز بجيشه إلى آسيا.
هذه المشاهد ما زالت بصيرورتها واختلافاتها وتناقضاتها تجلب للشعوب أبشع أشكال القتل والتهجير والإبادة، لأن الاعتراف بثقافة الآخر ما زال بحاجة إلى حوار حضاري، والمشهد السوري وأغلب دول الشرق والعالم تعيش هذه الصراعات، صراع الحضارات بل هي صراع الثقافات، وبخاصة بعد هيمنة الحداثة الرأسمالية على أغلب مفاصل الحياة في العالم، لكنها لن ولم تستطع أن تلغي ثقافات الشعوب من ذاكرتها، وتغرس بدلاً عنها ثقافتها الحداثوية رغم توفر إمكانات ووسائل علمية وتقنية، بكل المقاييس سوف يستمر صراع الثقافات لأن القوى الديمقراطية تعتمد على فرضية أساسية كي تترأس الثقافة المجتمعية كل الشعوب، وهي أن الثقافة أو الهوية الثقافية والتي ترمز إلى حقبة حضارية لكل أمة، قد تكون سبباً في وحدة وتماسك الأمم بعد مزج هذه الثقافات وإنتاج ذهنية إنسانية مشتركة لكل شعوب الأرض.
الإدارة الذاتية اليوم
اعتُمد نظام الإدارة الذاتية في الشمال السوري في الشهر الأول من عام 2014م من قبل كل المكونات التي تمثل أغلب الأديان والطوائف والقوميات، وهذا المشروع هو ردٌ طبيعيٌ على مشاريع (الأمة القومية) الذي أرهق عقول المجتمعات في الشرق الأوسط بنظرية واحدة لا طائل منها، بعكس الإدارة الذاتية التي ترمي إلى نشر ثقافة المجتمع الإنساني، كونه يقف سداً أمام كل المخاطر والمفاسد التي تخلفها الأنظمة السلطوية.
تعرض هذا المشروع في شمال سوريا في بداياته للسخرية والنقد، كونه اختار طريقاً ثالثاً تلتحم فيه كل المكونات من أجل تحقيق ذاته أولاً، وإدارة مناطقه ثانياً، ويؤمن بوحدة الأرض السورية وشعوبها ثالثاً. لهذا كله وغيره من الأسباب يبقى مشروع الإدارة الذاتية في شمال سورية حاجة ضرورية وتاريخية، لأن المكونات كلها تشارك في بناء حياتها بشكل أفقي بعيداً عن أي تعبير يدعو لتسيد جنس واحد أو لغة واحدة أو هوية ثقافية واحدة. وتعتمد الإدارة الذاتية على تشكل وبناء الإدارات المحلية والمجالس والكومينات وغيرها من المؤسسات الخدمية والمجتمعية، وتُدار عن طريق الديمقراطية المباشرة، التي تدعوا جميع الناس بالمساهمة والنقد.
قوام نجاح هذه الإدارة يتم عبر مشاركة المرأة والشبيبة وتفعيل دورهما بشكل واضح وبقسط كبير، كونهما يشكلان قوة ضاربة في تحقيق مفاهيم هذه الإدارة، التي تعمل على تفعيل مناحي الحياة كافة، والتخلص من كل التراكمات المذهبية والقومية التي خلفتها الأنظمة القوموية المركزية، بذات السياق لا تعمل الإدارة على هدم كل ما خلفه النظام، بل يعمد إلى تصحيح وترميم كل القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والحقوقية، وتقوم على بناء قوة ذاتية للدفاع عن مكتسبات الجماهير، في حين تبقى الناحية السياسية هي الأهم شأناً لأنها تتوحد مع الأخلاق، حينها يتأكد المجتمع بأنه متى يفقد سياسته وتنظيمه يكون وقتها بعيداً عن حريته، وحين يبتعد عن حريته يفقد أخلاقه، وبقدر توفر معطيات هذه السياسة والأخلاق في حياة الناس تكون الإدارة في مسارها الصحيح، لأن السياسة وبكل محتواها هي إدارة المجتمع، لهذا لا يمكن أن يصبح المجتمع حراً ما لم يكن بيده قراره السياسي.
من جانب آخر يبقى للأخلاق مكانة متقدمة في مفاهيم الإدارة.
وتعتبر الأخلاق بعداً مستقبلياً وحقوقياً مهماً في بناء الفرد والمجتمع، من هنا ينال كل مكونٍ مستحقاته مثل الآخر من حيث مبدأ المواطنة الموافق للقوانين والمواثيق الدولية، ويتعهد الدستور المشترك الذي يساهم الجميع في صياغته بتأمين كل ذي حق حقه، هذان (القانون والدستور) سوف يعترفان بالهوية التاريخية والثقافية والحقوقية لكافة المكونات، وأي إقصاء أو إلغاء لحقوقهم الدستورية في سورية، لا يمكن أن نسميه بالدستور الديمقراطي، ولا يمكن للمشهد السوري الاجتماعي أن يكتمل إذ لم يكن لكلِّ مكونٍ حضوره السياسي.
من جانب آخر؛ يبقى للوضع الاقتصادي أهميته القصوى في ترسيخ الإدارة؛ لأن الاقتصاد الاجتماعي هو حاجة وضرورة مجتمعية، وليس ربحاً مؤقتاً، وهذه الضرورة الاقتصادية هي ما يشغل بال الإدارة، كون الاقتصاد الكومونالي يخفف ويقلل من الاستغلال والاحتكار، ولا يمكن نشر هذه القواعد بدون نشر ثقافة وذهنية مشتركة بعكس الثقافة التي مارستها الحكومات المتعاقبة على المنطقة، حين ألغت وهمشت مثلاً اللغة الكردية وثقافتها وتاريخها، وعملت على صهرهم في المجتمعات الفارسية والعربية والتركية بذريعة الحفاظ على الأمن القومي لهم، لكنها في العمق كانت ترمي إلى الإبادة، من هنا تعمل الإدارة الذاتية على مبدأ التعددية الثقافية، أي إحياء وتفعيل ثقافات كل الشعوب من أجل التعايش المشترك، وتشجيع حوار الثقافات بين كل المكونات السورية.
أما الجانب الأهم من مفاهيم الإدارة هو الدفاع الذاتي، فمن خلاله يمكن تحقيق بقية المشاريع، وتتكون هذه القوة من الشعب كونه هو صاحب هذه الإنجازات، لذا هو من يدافع عنها من أجندات الحداثوية الرأسمالية التي تحاول وبكل الوسائل أن تسيطر على مقدرات الشعوب، هذا ما يجعل الدفاع الذاتي جوهر الإدارة وهي الوسيلة الشرعية التي تستخدمها الشعوب من أجل الدفاع عن ذاتها خوفاً من الانكسارات والعيش في البعثرة والانقسامات، لكل ما تقدم لا يكتمل نجاحات المشهد السوري إلا من خلال عقد علاقات الصداقة والتعاون مع شعوب المنطقة والعالم، وعلى أسس سليمة قوامها الإنسانية المشتركة.

الخلاصة

مما تقدم يمكن التأكد بأن الثقافة المجتمعية التي كانت في أعالي ميزوبوتاميا قبل آلاف السنين، والتي كانت تعمل وفق مفاهيم الإدارة الذاتية في المأكل والمشرب والدفاع عن الذات، ما نراه الآن عند أغلب الدول التي تبنت الفيدرالية كنظام اجتماعي، بغض النظر عن السياسات الاستراتيجية لبعض هذه الدول والتي ترمي إلى القضاء أو إقصاء ثقافات الآخرين، هي خطوة نحو هذه الثقافة.
وكواجب تاريخي وإنساني عملت الشعوب في شمال سورية منذ بداية الأزمة على إحياء وتفعيل هذه الثقافة المجتمعية من خلال طرح وتطبيق مشروع الفيدرالية الذي يدعو جميع المكونات في العمل على وحدة الأرض والشعوب في سورية، ونبذ كل المفاهيم القوموية الضيقة والدينية المتطرفة، والانخراط في تبني ذهنية مجتمعية يتساوى فيها الكل بالحقوق والواجبات ضمن دستور يتفق الكل على صياغته بما يتوافق ومبدأ العيش المشترك تحت خيمة الوطن الواحد.
___________
مراجع:
ـ لجنة البحوث والدراسات في منظومة مجتمع غربي كردستان.
ـ صراع الحضارات … صامويل هنتنكتون.

التعليقات مغلقة.