سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ديمقراطية شمال سوريا

محمد سعيد كرو –
وصلت الأزمة السوريّة إلى مفترق طرق جديد، مع معطيات الميدان الأخيرة، فقد أعلنت قوات سورية الديمقراطية تحرير بلدة الدشيشة وبذلك فإنّ كامل الريف الجنوبي في مقاطعة حسكة أضحى مطهراً من الإرهاب وتمّ القضاء على معظم جيوب مرتزقة داعش بالمنطقة الشرقيّة.
من جهة ثانية قطع النظام مراحل في سياق استعادة السيطرة على أغلب المناطق الداخليّة، وانتقل إلى مرحلة حساسة بفتح جبهة الجنوب إذ يحاول الوصول إلى مهد ما يسمّى «الثورة السورية» المتمثل بمدينة درعا، ولم يكن لقوات النظام أن تصل إلى هذه المرحلة لولا الدعم الاستثنائي من حلفائه، فكان التدخل العسكريّ النوعيّ لروسيا، وكذلك الوجود الميدانيّ لإيران.
وإذا كانت الثورة قد انطلقت فيما قالوا لتعبرَ عن مطالب شعبيّة فالسؤال المطروح بعد كلّ ما جرى على مدى أكثر من سبع سنوات من الدمار والخراب والقتل والتهجير أين الشعب؟ وأين تكمن إرادته فيما يحدث؟ فكلّ الاتفاقيات التي تتمُّ بين الأطراف الدولية والإقليميّة هي على حساب أبناء الشعب ودمائه، والمفارقة أنّ الأطراف التي طالما تحدثت باسم السوريّة هي نفسها التي تفاوض على حسابه وتعطّل الحلّ السياسيّ للأزمة. يبدو أنّ القوى العظمى المتمثلة بروسيا والولايات المتحدة الأمريكيّة كانت تدرك بأنّ سورية ستصل إلى هذه المرحلة، وأعدت سيناريوهات خاصة بشأن الوضع السوريّ، والدليل توصُّلها إلى شبه توافقٍ تتجلى آثاره الواقعيّة على الأرض، فقد تمكّنت روسيا من الحفاظ على حليفها النظام السوريّ، فيما انتهت الثورة السوريّة حيث البداية، عبر تدخّلات القوى الإقليميّة العربية الخليجيّة والتركيّة والإيرانيّة، فحصرت نفسها في الشعارات المذهبيّة والطائفيّة، وبهذا فقد حاولت تلك القوى تأمين مصالحها ووجودها ربما لعقودٍ قادمة، وتقاطعت تلك المصالح من حيث تريد أو لا تريد مع بقاء النظام، وهي بالتالي ضمنت تحقيق مصالحها.
أما تركيا التي تلاعبت على خطوط عنكبوتيّة متشابكة بدءاً من المعارضة السوريّة ودعمها للإرهابيّين، والاقتراب من الضفة الروسيّة تارةً أو الولايات المتحدة تارةً أخرى، وحلمها القضاء على الشعب الكرديّ وروج آفا التي اعتبرتها حجر عثرة في طريق الامبراطوريّة العثمانية الجديدة، حيث وكرّست كلّ جهودها السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة لتحقيق ذلك، إلا أنّها اقتربت من حافة الانهيار الاقتصاديّ، فكلّ الممارسات التي قامت بها لم تصل بها الى نتيجة حتميّة لتحقيق حلمها، فالقوتان الأساسيتان الفاعلتان في الساحة السوريّة، تضعان لجاماً لطموحاتها، وهي تحسب نفسها تتلاعب بهما، وتسخرهما في خدمة مصالحها. فالولايات المتحدة الأمريكيّة التي وضعت نصب عينيها مصالح إسرائيل وأمنها وبخاصة خطر التمدد الإيرانيّ الكثيف بالمنطقة الجنوبيّة من سورية وعلى مقربة من حدود إسرائيل، حيث تراقب واشنطن عن كثب المشروع الإيرانيّ الذي تجاوز عبر الحدود العراقيّة والسوريّة ليصل إلى لبنان ليكون منفذاً على البحر المتوسط، وبالتالي تشدد تحكمها بالمنطقة عبر هذا الشريط، ولهذا بادرت الولايات المتحدة إلى فشال هذ المشروع عبر إبعادها عن الحدود العراقيّة السوريّة الأردنيّة وفرض المزيد من الضغوطات على طهران وبخاصة من الناحية الاقتصاديّة بإلغاء الاتفاق النوويّ معها وتجميد مليارات الدولارات التي كانت تحلم بها لتنفيذ مشاريع سياسيّة بالمنطقة، فيما تستمر بالتلاعب بحكومات الخليجيّة باعتبار المصدر الأساسيّ لتمويل لحروب المنطقة منتجة الطاقة،
ويبقى الكرد ومعهم مكوّنات شمال سورية ومشروع الحلّ السياسيّ الذي يمثلونه العقدة الأساسيّة في الأزمة السوريّة بالنسبة للبعض، وفي مقدمهم أنقرة، واليوم في سياق البحث عن حلٍّ للأزمة السوريّة يُطرح سؤال من يمثّل المعارضة السوريّة على طاولة الحوار الوطنيّ المزمع عقده، بعد القضاء على كلّ عناصر المعارضة التي ولدت كما السقط؟ فقد تحوّل الكثيرون إلى أدوات تنفيذ أجندات الخارجيّة.
التهديدات التي تطلقها النظام السوريّ ليست وليدة الصدفة، بل هب نتيجة للتقدم الميدانيّ الذي حقّقه بمساعدة حلفائه، وهو صدىً لتصريحات أطلقه حلفاؤه قبله، وهي تتقاطع مع خطاب أنقرة، ومن شأنها تعطيل الحلّ، وإدامة الأزمة لتتسع وتمتد على كامل مساحة الشرق الأوسط، وتكون بداية حرب شعواء تستمر سنين طويلة، ولهذا لا بديل عن ديمقراطيّ ومكافحة الإرهاب واجتثاثه وتجفيف منابعه، لمنع انجرار المنطقة إلى الكارثة الكبرى.
في شمال سورية تحقّقت إنجازات رائدة على مستوى المنطقة، خلال سنوات الأزمة، إذ هي نأت بنفسها عن الحرب الطائفيّة والمذهبيّة، وسعت لبناء مؤسسات ديمقراطيّة وبناء مجتمع يسوده الأخوة والمحبة بين المكوّنات والأطياف والعمل على الحفاظ على الوحدة السوريّة ومنع التقسيم، وقد أسست للحلّ السياسيّ فعليّاً لإحياء سورية والسير من جديد إلى ما يليق بالتضحيات التي قدمها أبناء المنطقة، وليس من المستغرب أن تكون الرائدة في المطالبة بالحفاظ على الوحدة السوريّة وتأسيس نظام ديمقراطيّ تعدديّ يضمن حقوق جميع السوريين بدستور سوريّ يتوافق عليه السوريين بكلّ طوائفهم وشرائحهم ومذاهبهم دون إقصاء ثقافة أو مذهب أو مكوّن. لتكون الديمقراطيّة الضمانة الوحيدة للعيش معاً على مدى التاريخ.