سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

اللجنة الدستورية.. مسرحية هزلية وشرعنة لاحتلال أراض سوريّة

يحيى الحبيب –
يكثر الحديث في هذه الفترة في الأروقة الدبلوماسيّة الخاصة بالأزمة السوريّة عن اللجنة الدستوريّة التي أقرّت في منتجع سوتشي على البحر الأسود، ولكن السجال الجاري والمفاوضات بخصوص هذه اللجنة ليس بين السوريين, وإنّما هي معركة التسوية الدوليّة التي تدور من وراء تحديد مناطق النفوذ ومواقعها، حول تقرير مصير سورية ومستقبلها.
عادت قضية الدستور إلى واجهة الحدث السوريّ مرّة أخرى مع بدء طرفي النزاع؛ النظام وما كانت تسمّى بالمعارضة بإجراء خطوات تطبيقيّة في هذا السياق وإعداد قوائم وترشيح أسماء لتشكيل لجنة مهمتها وضع دستور جديد للبلاد, وهو ما تمّ التوصُّل إليه خلال الاجتماع الذي عقد في سوتشي الروسيّة والذي قاطعه عددٌ من الأطراف السوريّة لكنه انتهى كما تريد موسكو بإقرار اللجنة الدستوريّة.
حكاية السوريين مع الدساتير
وبدأت حكاية السوريين مع الدستور قبل نحو 100 عام، إذ تمّ وضع أول دستور للبلاد في عام 1920م نُصِّب من خلاله فيصل بن الحسين ملكاً على سورية. وترأس اللجنة التي وضعت هذا الدستور هاشم الأتاسي الذي يعتبر «أبا الدستور» في سورية، لكن لم يصمد هذا الدستور طويلاً، إذ دخل الفرنسيون البلاد في نفس العام. وجرى بعد ذلك وضع أكثر من دستور في سورية، حتى جاء دستور عام 1950م لكن الانقلاب الذي قاده أديب الشيشكليّ تبعه وضعُ دستورٍ جديد ألغي هو الآخر بعد ذلك. وبعد انقلاب حزب البعث في عام 1963م بقيت البلاد من دون دستور دائم، حتى تم وضع دستور في عام 1971م بعد وصول حافظ الأسد إلى رأس سلطة مطلقة للبلاد، وتضمَّن في مادته الثامنة حزب البعث «قائد للدولة والمجتمع»، ليؤكّد شموليّة حكم البعث وتدخّله في سائر شؤون المجتمع، وبقيت المادة حتى ألغيت عام 2012م إثر المطالب الشعبيّة مع اشتداد وتيرة الحراك الشعبيّ.
ترويج روسيا لدستور جديد وتبديلها للأهداف منه
بدأت روسيا في عام 2016م بالترويج لدستور سوريّ جديد، وفي ذلك قالت صحيفة الأخبار اللبنانية المقربة من النظام السوري في عددها الصادر يوم 24 أيار 2016م: إنّ موسكو أنهت صياغة مشروع دستور لسورية، حاولت فيه روسيا وضع قوانين ومواد دستوريّة معسولة لجذب الأطراف المعارضة بدءاً من تغيير التسمية (الجمهوريّة السورية بدل “العربيّة السوريّة)، إلى إلغاء مادة ديانة الرئيس، وصولاً إلى تعديل صلاحيات الأخير وإسقاط أي سلطات تشريعيّة، وإعطائه صفة “الوسيط” في بعض المجالات. ولكن بعد أن توصّل الروس والإيرانيون والأتراك لتفاهمات على الساحة السوريّة وإقرار اتفاق ما سمّي بخفض التصعيد والذي استخدمته هذه الدول لتكريس مصالحها واحتلالها للأراضي السوريّة، كان لا بد لها من تغيير الإطار القانونيّ عبر تغيير الدستور لشرعنة هذا الاحتلال والهيمنة على الشعب السوريّ.
ويدور اليوم في كواليس وأروقة الحلف الجديد المتمثل بـ (روسيا- تركيا- إيران) أنَّهم تمكَّنوا من تحقيق انتصار كبير وأنّهم يسعون لوضع اللمسات الأخيرة على ما يعتبرونه «انتصاراً» في الحرب السوريّة فكان عقد اجتماع سوتشي في 30 كانون الثاني 2018م وإقرار اللجنة الدستوريّة التي من خلالها يحاول هذا الحلف فرض التسوية التي تناسب مصالحه وهيمنته على الشعب السوريّ.
اللجنة الدستورية والأجواء الإقليميّة والدوليّة
وفي خضم ذلك، لا نستطيع الابتعاد عن الأجواء الإقليميّة والدوليّة مما يجري اليوم في كواليس الملف السوريّ. فالولايات المتحدة الأمريكيّة انسحبت من الاتفاق النووي مع إيران وأصدرت بياناً عبر وزير خارجيتها مايك بومبيو والمعروف بأنّه أحد أشد صقور الولايات المتحدة والذي حذّر فيه إيران من 12 قضية, أهمّها إنهاء السيطرة الإقليميّة لإيران وإخراجها من سورية.وإسرائيل بدورها اليوم لم تعد تكتفي بالتهديدات لإيران أو النظام السوريّ فباتت تضغط بشكل كبير وتقصف المواقع الإيرانيّة داخل الأراضي السورية وتغطي إسرائيل ذلك بالتنسيق التام مع الروس. الضغط الإسرائيليّ والدعم الأمريكيّ له يسعى لإخراج إيران من سورية وبحسب التقارير الميدانيّة بدأت إيران بتقليص قواتها وبخاصة في الجنوب السوريّ فيما يسود الموقف الروسيّ الغموض.الاستراتيجية التركيّة بدورها تقوم على تمكين المرتزقة الخاضعين لها ألا يخرجوا عن طوعها، والحوار مع النظام لجعلهم جزءاً من السلطة القادمة وكذلك مساندتهم في السيطرة على المجموعات المسلحة؛ والآن هم من يتصدّر جرابلس والباب وإدلب، وتركيا تسعى بذلك لتكون لها حصة في أيّ تسوية سياسيّة.
اللجنة الدستوريّة وتكريس الاحتلال للأراضي السوريّة
في الحقيقة حلّت قضية اللجنة الدستوريّة مكان النقاش عن هيئة الحكم الانتقاليّ لأنّها الأولى وتتناسب مع مصالح كلّ من روسيا وإيران وتركيا، ولا تعارض الولايات المتحدة الأمريكيّة بشكل كبير تشكيل هذه اللجنة رغم تصريحاتها بعدم التأييد بين الفينة والأخرى. فهي تستخدم سياسة تدوير الزوايا مع الروس والضغط عليهم وبخاصة فيما يخص الوجود الإيراني في سورية.
وهذا النقاش الدائر في الأزقة الإقليمية لا يعني التوصّل إلى اتفاق نهائي دوليّ وإقليميّ بشأن الأزمة السوريّة، فروسيا تسعى للتغير عبر الإصلاح الدستوريّ وإعادة إنتاج النظام، فيما لا تزال تتمسك الدول الأخرى باتفاق جنيف الذي تحاول موسكو الالتفاف عليه وإبداله باتفاق آستانه.
ومخطئ من يعتقد بأنّ موضوع اللجنة الدستوريّة بعيد عن تكريس احتلال روسيا وحلفها الجديد للأراضي السورية، لأن روسيا هي من تقدم مرشحي النظام وتركيا هي من تحدد وتقر مرشحي ما سُمِّيَ يوماً «بالمعارضة».وتطفو الخلافات على سطح الجهود القائمة لتشكيل هذه اللجنة، في مشهد يعكس تباينات دولية وإقليمية، مع ضغوط يمارسها أكثر من طرف لتكون له كلمة في هذه اللجنة ودورها، وهو ما يعكس كذلك الخلافات بين الأطراف السورية.
اللجنة الدستورية .. معركة تسوية دوليّة
والآن تتنازع أطراف ما يسمّى (بالمعارضة السوريّة) على ما وصفه أحد المعارضين «جيفة الانتقال السياسيّ» وكأنّهم من سيحددون مستقبل سورية، والبعض منهم مستعد للتفريط بكلّ شيء وبغير مقابل، والبعض كأنّه يسير على الجمر، والحقيقة أنّ السجال الجاري والمفاوضات بخصوص هذه اللجنة ليس بين السوريين, وإنّما هي معركة التسوية الدوليّة التي تدور لتحديد مناطق النفوذ ومواقعها، حول تقرير مصير سورية ومستقبلها.ولا ينبغي أن يضحك أيّ من السوريين على نفسه؛ ليس هناك مفاوضات سوريّة جديّة بشأن الدستور، كما لم تكن هناك مفاوضات جدّيّة لا في آستانه، ولا في سوتشي ولا في جنيف حول الانتقال السياسيّ. هناك مسرحية هزليّة، يحاول فيها المصادرون لحرية السوريين ودولتهم أن يتوصلوا عبر السوريين ومن خلال لي ذراعهم وكسر إرادتهم وتنصيب من لا يمثلونهم سادة عليهم، إلى تسويةٍ دوليّةٍ، تحقّق مصالحهم المتناقضة أو المتباينة على حساب السوريين وحقوقهم.
وهنا يطرح السؤال: هل كلّ شيء قد انتهى وفرض المكتوب على السوريين؟؟ … بالطبع لا، لأنّ الأطراف التي لم تُدع إلى هذه المسرحية الهزليّة, والممثلة بمكوّنات الشمال السوريّ التي تسير بمشروعها الديمقراطيّ اتخذت تحرير الشعب من الإرهاب أساساً ومن ثم إدارة أموره بنفسه، ستخلق حلولاً من نوع آخر, لن يصل الحلّ الذي تسعى إليه دول الوصاية ولانتداب لأيّ من أهدافه, فهذه المكوّنات التي خاضت معاركها طوال سنوات الحرب في كلّ الميادين والجبهات العسكريّة والسياسيّة والدبلوماسيّة والفكريّة والإعلاميّة, وكما تقتضي السياسة لن يتركوا ساحة خاليةً لأحد وسيحققون الحرية التي يطمح إليها الشعب السوريّ.