سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

تسخير الدين في الأزمات… توظيفاً أو رفضاً

رامان آزاد –
تعيش منطقة الشرق الأوسط وتحديداً الدول العربيّة أزمةَ استبدادٍ مزمنةٍ، تعودُ إلى الحقبةِ العثمانيّةِ مروراً بمرحلة الاحتلال الأوروبيّ، واستمرّت بعد الاستقلال حتى الوقت الراهن، فقد تحوّلت أنظمة الحكم بعد انتصار حركات الاستقلال والتحرّر؛ إلى ديكتاتوريات تجاوزت في تسلطها وقمعها أساليبَ المحتل الأجنبي نفسه، والواقع الذي تعيشه شعوب المنطقة يقدّم عشرات الأمثلة اليوميّة على ذلك، ما أدّى إلى مراكمة حالات الاحتقان والكبت عبر الزمن.
ذبُلت أوراق ربيعِ الثورات العربيّة التي اجتاحت العديد من البلدان العربيّة وحملت في البداية تباشير مستقبل أفضل لهذه البلدان، وتساقطتِ الأوراقُ في خريفِ البيانات الخلبيّة والصراعاتِ الطائفيّة والانقلاب على الذاتِ والهوية وخدمة الأجندات الخارجيّة، ثم إنّها تحوّلت إلى شتاءٍ قارسٍ أوصل الإسلاميين إلى الحكم ليستثمروه وفق منظورهم الدينيّ الخاص، بعدما التحقوا بركب الثورة وسرقوها من الشبان والنساء والأقليّات والفئات العلمانيّة والليبراليّة التي فجّرتها وسارت في ريادتها، فيما تستمرُّ في صراعها الدمويّ على مستوى الجماعات في سوريا واليمن وليبيا.
أزمة فكريّة متجذرة
يتبدى جليّاً وجود أزمة ذاتيّة بالمنطقة في العلاقات الدينيّة والتواصل بين المذاهب، إذ تتعالى خطاباتُ التباعدِ فتبلغ حدَّ التكفير، ومن أمثلتها حشد الجيوش ضد الزيديّة «الرافضة» في اليمنِ بعدما كانت كتب التاريخ العربيّ والإسلاميّ تفاخر بصمود الأئمة الزيديّة الذين جعلوا من اليمن مقبرة الأناضول، فيما الاختلاف والتنفير المذهبيّ على أشده في سوريا والعراق، فقد أسفرتِ الحوادث عن أزمات على المستوى الأخلاقيّ والقيميّ، وفي وجود قيادة عربيّة أو إقليميّة راشدة لحلّ أزمات المنطقة، بعدما أصبح أمر المنطقة رهن إرادة قوى كبرى، وانحصر دور القيادات الإقليميّة بتملّق ذوي النفوذ، وتغييب إرادة الشعوب، ولتعمل تلك القيادات على حراسة مصالح الدول الكبرى. ويدخل الصراع الدينيّ من البوابة العريضة للتنافس في تقاسم النفوذ بين القوى الكبرى، والمسألة الأفغانيّة نهاية سبعينات القرن الماضي واضحة، فتمّ استثمار المسألة الدينيّة لاستنفار المسلمين في شتّى أنحاء العالم وتشكيل ما عُرف بالأفغان العرب ليحارب الإلحاد الشيوعيّ والمقصود به الجيش السوفييتيّ الذي احتل أفغانستان، وبذلك تشكلت نواة تنظيم القاعدة، والتي سيكون لها دورٌ مهمٌ في إيجاد المبرر للتدخل الأمريكيّ في أفغانستان 2001 والعراق 2003.
اليوم الخيارات محدودة أمام العالم الإسلاميّ فإمّا الانضواء في التحالف مع إيران باعتبارها حاضنة الشيعة، أو السعودية ممثلة للسنّة، مع دور ملحوظ لتركيا باعتبارها تمثل قيادة أخرى للسنة مع ميول علمانيّة وهو ما يصطلح عليه بالفكر الإخوانيّ، كحالة إسلاميّة خاصة تجاهر بعلاقتها بإسرائيل وعضو في حلف الناتو وتطالب بعضويّ’ كاملة في الاتحاد الأوروبيّ، وكلٌّ من هذه النماذج له مؤيدوه ومعارضوه تبعاً لحجم الاختلاف بينها، والحديث عن العلاقة المفتَرَضَة بين المذاهب، لا يعني غضَّ الطرف عن أخطاء أيّ طرف منهما، سواء كان الشحن دينيّاً أو قوميّاً، وحقّ الأطراف في تحقيق المصالح لا يعني غياب المصلحة الأكبر باستقرار المنطقة، والاستقرار لا يعني مجرّد وقف الحروب خطابات التعارض السياسيّ، بل هو في أول صوَرِه عدم إثارة النعرات المذهبيّة أو القومية، والاستجابة لمتطلبات الشعوب بالعيش المشترك مع بعضها.
الأزمة السوريّة تكشفت عن أزمات بالجملة
الأزمة السوريّة كشفَت عن وجود تأزّم على عدّة مستويات، في فهم الحالة المذهبيّة واعتبارها حالة تاريخيّة بالمنطقة، وليست طارئة يمكن أن تتفجر بعوامل أو حوادث سياسيّة لتتحوّل إلى صراعٍ دمويّ، إذ أصبحنا أمام منطقة صراع على بسط النفوذ أو تقليم الأظافر، وأصبحت سوريا بؤرة تصفية الحسابات السياسيّة، وتحقيق مكاسب دوليّة، وصولاً لاختبار الأسلحة الحديثة وكسب خبرات قتاليّة، وبدت الأزمة الأخلاقيّة للديمقراطيات الغربية واضحة وهي التي تملك إرادة إنهاء القتال ورعاية حوارات المصالحة الوطنيّة ودعم عمليات محاربة الإرهاب، والبدء في إجراءات تنهي الأزمة، ولنتأكد أنّ القيم التي يتمّ ترويجها في بلدان الغرب، لها حدود مكانيّة لا تتجاوزها، وأنّهم لا ينظرون للمنطقة وأبنائها بنظرة المساواة في الحقوق الطبيعيّة، فالمصالح السياسيّة تطغى على إرادة وقف القصف والقتل والدمار والمعاناة لأهل سوريا.
عجز النظام السياسيّ العربي عن حلّ المشاكل
كشفت الثورة السوريّة أزمة غياب التوجّه الوطنيّ العابر للتعدديّة والتنوّع في الشعوب السوريّة، كما أظهرت بالوقت نفسه غياباً في القيادة الإقليميّة أو العربيّة، ولتتحوّل القيادة إلى دول الخليج، التي ركبت موجة التغيير في العالم العربيّ وتراءى لها تملك أهليّة قيادة الجماهير في الميادين والساحات، فعملت على تبني الحراك وتوجيهه إعلاميّاً عبر ماكينات ضخمة أنفقت عليها ببذخٍ منقطع النظير، لتظهر ما أضمرته من كراهية لتطلّع الشعوب إلى الحرية، وتعرقل عمليّة التغيير السلميّ والتحوّل الديمقراطيّ، وحوّلتها لعمليات قمع عنيفة، كما جرى بمصر وليبيا واليمن وسوريا، والهدف أن تنأى بنفسها عن تأثيرات رياح التغيير، فركّزت على عوامل الاختلاف الدينيّ والطائفيّ، لتخرج الحراك الشعبيّ عن مساره، والمفارقة أنّ تلك الشراسة إزاء شعوب المنطقة، اقترنت بقبول تام وانصياع كاملٍ ومحاولات استرضاء للولايات المتحدة الأمريكيّة ودفع الإتاوات، ولعل نموذج قانون جاستا الذي شرعه الكونغرس الأمريكيّ أثمر رزمة من الاتفاقات الاقتصاديّة وصفقات سلاح بمئات مليارات الدولارات، والهدف ضمان بقاء هذه الزعامات جوفاء الفكر والروح على مقاعدها، ولتبقى جاثمة على صدور الشعوب تحصد رؤوس معارضيها.
من السطحيّة حصر مفاعيل الأزمة السورية الحالية بالسوريين وحدهم ذلك لأنّها تجاوزتهم بكثير، وكشفت عن أزمات إقليميّة ودوليّة، ويمكن اختصار ما يحدث في سوريا بأنّها صراع إرادات دوليّة وما الجغرافيا السوريّة إلا ميدانُ ذلك الصراع، والدليل حجم وعدد الأطراف التي تدخّلت في تفاصيل الأزمة على مستوى الدول والتحالفات والمجاميع المسلحة، كما كشفت هشاشة المنظومة العربيّة وضعف إرادتها وعجزها عن حلِّ مشكلاتها البينيّة، وتوجهها للانتقام من بعضها على حساب دماء شعوبها، لعل المثال اليمنيّ وتشكيل التحالف العربيّ تأكيدٌ لذلك، وقد سبق ذلك المشاركة العربيّة الفاعلة في التحالف على ضرب ليبيا، وحضور قوات درع الجزيرة في البحرين، ولنتأكد تماماً أن لا حلَّ سلميّ للمشكلات في العقل العربيّ، وأنّ إسرائيل لم تعد عدواً إلا في بقايا الإعلام العربيّ الذي يتخذ من الممانعة والمقاومة شعاراً له، فيما الواقع يثبت أن الممانعة تجاه إرادة الشعوب أشد.
ولعل دول الغرب قد تتبنى من غير استعجال مقاربة أخرى للأزمة السوريّة كأن تقوم برعاية التوجّه نحو سوريا حرّة تدريجيّاً، ربما على حساب نقص في الجغرافيا في المرحلة الأولى، فتدعو أصحاب التوجهات العلمانيّة السنيّة ــ نظراً لخشيتها من انتشار النفوذ الإيرانيّ ــ ومعهم من تعتبرهم العرب المعتدلين إلى التعاون مع تجربة ديمقراطيّة واحتواء الكرد والمسيحيين وأطيافاً أخرى، وهذه المقاربة قد تؤدّي لاحقاً إلى تحرير كلّ سوريا فيما لو سارت الأمور مساراً وطنيّاً، إذ يبقى المعوّل على العوامل الوطنيّة التي تعمل على الاستفادة من المواقف الإيجابيّة التي يبديها الغرب، دون الارتهان الكامل لإرادته.
سرقةُ موصوفة لثوراتِ الربيع العربيّ
بالمجمل لم يستجب الربيع العربيّ لطموحات الشعوب والأهداف المتوخاة، وأصبح تهديداً كارثيّاً للأمن والاستقرار على المستوى الإقليميّ والعالميّ، إذ تحوّل لبيئة حاضنة لقوىً رفعت شعارات إسلامّية وجهاديّة وحازت على دعم على إقليميّ ودوليّ على حساب القوى العلمانيّة والوطنية المدنيّة التي تطلعت إلى ربيع حريات حقيقيّ، ما اضطرها لاحقاً لمحاولة تصويب البوصلة بثورة مضادة في تونس ومصر.
أظهر الربيع العربيّ قوةَ الإخوان المسلمين كأمرٍ واقع في دول الربيع العربيّ، واستقطبت الشباب وفئات الجماهير ليكونوا أصواتاً لصالحها، ولتؤطرَ انتصارها بالشرعيّة الجماهيريّة، في انتخاباتٍ جرت في أجواء الحماسة الثوريّة فلم تعي توجّه البلد ما بعد الثورة، فالرغبة في التغيير كانت عارمة، فتمكّنت من طرد القادة الدكتاتوريين، ولكنها ذهبت بهذه النتائج وفق هواها الحزبيّ والطائفيّ، وباتت على وشك تأسيس أنظمة حكم شموليّة وغير ديمقراطيّة، في إعادة لصيغةِ العهد القديم، وليكون التغيير بمجرد تغيير اليافطة والشعار، ما حدا بقوى الثورة الشبابيّة والنخب العلمانيّة والليبرالية أن ترفع صوتها في وجه المشروع الإخوانيّ، وتقوم بثورة مضادة مستندة إلى قوى المجتمع المدنيّ كما حدث في مصر. ولعله لم بمقدور الإسلاميين الفوز لولا موقف الرئيس الأمريكيّ باراك أوباما الداعم لهم وقراءة البيت الأبيض الخاطئة ودعم تركيا وقطر، أي وجود عوامل خارجيّة.
يمكن القول إنّ الدور المحدود الذي لعبته قوى المجتمع المدنيّ التي لم تتبنَّ شعارات الدين في دول الربيع العربيّ، قد وضع كلّ الإخوان المسلمين في سلة أيدولوجية منافية للديمقراطيّة في كلّ الحالات، وأنّها محسوبة على جهات اشتركت في السرقة الموصوفة للثورة وتوظيفها لصالحها ودخولها معترك مواجهة الأنظمة الفاسدة بروح من الانتهازيّة. فالثورات العربيّة انطلقت بإرادة القوى المدنيّة من خلال تيارات حضرت وصدحت في الساحات والميادين السياسية مطالبة بالحقوق والحريات العامة. والواقع أنّ قوة الإخوان المسلمين كان حقيقة في بلدان الربيع العربي ونال الشرعيّة بالانتصار في انتخابات حرّة ونزيهة في ظاهرها، فباتوا على وشك تأسيس أنظمة حكم شموليّة وغير ديمقراطيّة.
يقول ماثيو جيدير في كتابه: «خونة الثورة» رحلة في قلب الربيع العربيّ:» إذا كانت القوى الإسلامويّة قد انتصرت على الأنظمة القديمة، فإنّ انتصارها في المستقبل غير مضمون، بل من الممكن أن «تخون» مبادئ الثورة، وتعرقل مسار الانتقال الديمقراطيّ بالمجتمعات العربية (داعش نموذجاً).
تركيا نموذج التلاعب بالدين رفضاً أو توظيفاً
في تركيا شكّل الدين عنصراً أساسيّاً في الانقلابات العسكريّة التي وقعت منذ إعلان الجمهوريّة التركيّة، التي أُسست على عدّة ركائز، منها نبذ الدين، وحتى انقلاب ما بعد الحداثة في تسعينات القرن الماضي. ورغم تعقد قضية توظيف ورفض الدين طوال تاريخ الجمهوريّة التركيّة، فإنّ خبرة الدولة التركيّة منذ نشأتها تُظهر أنّ العلاقة بين الدين والسياسة الخارجيّة اتّخذت أحد اتجاهين: إمّا توظيف الدين أو رفضه الدين من أجل المصلحة.
فقد كان الإسلام أحد الأساس الذي قامت عليها الدولة العثمانيّة، وعُرف سلاطين الدولة بالخلفاء في العالم الإسلاميّ، وكان خطاب الدولة العثمانيّة على أنّها الحامية للإسلام السّني في مواجهة الغرب المسيحيّ. وبعد قرون ظهر مصطفى كمال أتاتورك الضابط بالجيش العثماني، نجح بالانقلاب على الدولة العثمانيّة وتفكيكها، واعتبر أنّ الإسلام سببُ تخلّف الدولة العثمانيّة، فعمل على رفض الدين، وإلغاء الخلافة، ثم أعلن دولة تركيا الحديثة كدولة علمانيّة. وشهدت تركيا أربعة انقلابات عسكريّة منذ أول انقلاب عسكريّ في تركيا بعد الجمهوريّة حتى عام 1997، وكان الدفاع عن علمانيّة هو العامل المشترك بينها، إذ كانت المؤسسة العسكريّة تنتفض ضد ما تراه الجيش انتهاكاً يسهم بإحياء دور الدين ويسهم.
كان انقلاب 1980 هو الأعنف وجاء على مسافة قريبة من اندلاع الثورة «الإسلاميّة» في إيران التي أطاحت بحكم الشاه، ولعل دوافع عدّة كانت حاضرة في هذا الانقلاب، بما في ذلك البعد الدينيّ، فالثورة في إيران استأثرت باهتمام إقليميّ استثنائيّ، وتفاعلت معها أحزاب سياسيّة، ومنها الأحزاب ذات التوجّه الدينيّ، وبعد مدٍّ وجزرٍ بين مختلف التوجّهات السياسيّة اليساريّة واليمينيّة، حسم الجيشُ الموقف بقيادة كنعان إيفرين ونفّذ الانقلاب. وهنا تمّ توظيف الدين لمواجهة المدِّ اليساريّ الشيوعيّ، على أساس صياغة فكريّة جوهرها قوميّ وإسلاميّ، كما أُريد عبر هذه الصيغة مواجهة مطالب الكرد وإسقاط حقوقهم بتهم الانفصال، استناداً لأفكار قوميّة ودينيّة.
أما دستور 1982والذي لا زال ساري المفعول في تركيا اليوم إلا من بعض تعديلات أجريت عبر الاستفتاء، فقد أّكّد على توظيفِ الدين لمصالح سياسيّة تتصل بمواجهة المدّ الشيوعيّ، باعتبار تركيا دولة رئيسيّة في حلف الناتو، ولها دور فاعل في مواجهة الاتحاد السوفيتيّ. وقد جرت كل الانتخابات التركية منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم عن توظيف عامل الدين والإيهام للمتدينين بأنّ مصيرهم مجهول فيما لو انتخبوا الأحزاب العلمانيّة فيما لم يبادر العلمانيون لدحض هذه النظرية، وعلى الأساس جرت الانتخابات الأخيرة وقدّم أردوغان الانتخابات ليؤطر سياساته قانونيّاً.