سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

من أروقة الإبداع الكاتب: عثمان بالنائلة القصة: قصص قصيرة جداً

عبدالرحمن محمد –

لطالما كانت القصة القصيرة جداً مثار إعجاب الكثيرين، ورغم استسهالها من قبل من لم يطرق ميادينها إلا أنها السهل الممتنع لما تحتاجه من دراية في حبكِ الموضوع بالزمن بالحدث والخاتمة وفي كلمات قليلة لتكون تلك الومضة التي قد تأتي كتلك الصدمة الكهربائية التي تنعش روحاً تقترب من وقت الرحيل.
الكاتب التونسي عثمان بالنائلة من مواليد سبتمبر 1981 بمدينة تونس، درس بها وحصل سنة 2007 على شهادة دار المعلمين العليا في اللغة والآداب العربيّة. أمتاز بأسلوبه القريب من الكوميديا السوداء التي تجلت في العديد من أعماله القصصية التي جاءت كقصص قصيرة جداً،  حاز سنة 2015 م. على جائزة ناجي النعمان الأدبيّة (جائزة الاِستحقاق) عن مجموعة قصائد نثريّة. وفاز سنة 2016 م. بجائزة ورشة جيل للرواية والقصة القصيرة، صدرت له مجموعة قصص قصيرة جدّاً بعنوان “حدّث ولا حرج” سنة 2015. كما صدرت له مجموعة قصص قصيرة جدّاً ثانية بعنوان “متاهة” سنة 2017م.
إذا جاء:
طُردوا من الأرض بموجبِ وعد. جاسوا خلال الديار بفضلِ عهد. يتناحرون ليصبحوا ألفَ بلدٍ وبلد. يتناصرون ليَسعد ولدُ الولد. ويستقبل الفريقان قبلةَ الصمد.
الأكداس:
طأطأ رأسَه في ذلٍّ وقال: “من فضلك سيّدي، قليل من الفول المدمّس… ولو مع قليل من الكمّون.” تأمّل البائعُ رقعَ ثياب الصبيّ، وقال: “آه… وَلَوْ… إنْ لم تختفِ من أمامي حالًا فسأذيقنّكَ لطمًا وركلًا مع كثير من الكمّون.”
تراجع الطفلُ مذعورًا. فانتبهَ إلى قدوم رجلٍ حانقٍ بصحبة عَونَيْ أمنٍ يَسْخران. قبض أحدُهما على بائع الفول، وصرخ في وجهه قائلًا: “أتبيع فولًا فاسدًا يا عديمَ المروءة يا غشّاش؟!”
اقترب الصبيّ حينئذٍ منهما متردّدًا. قال للعوْنِ الثاني متلعثمًا: “سيّدي… أنا… جوعان.” حدجه الشرطيُّ ببصره، وكدّسه بجانب كومة القشور. ثمّ تعاون العونان على جرّ عربة الفول وصاحبها الباكي، يتبعهما الشاكي.
الكرامة:
اشتدّ الزمهريرُ في صبيحة ذلك اليوم. توافدتْ حشودُ المتظاهرين على الشارع. باع الصبيُّ الأعلامَ. واحتفظ ببعضها ليُحرقها خفيةً، ابتغاءَ التدفئة.
الحلمُ الإيطاليّ:
تعرّفَ منذ سنةٍ إلى سيّدةٍ إيطاليّة من خلال موقع تعارفٍ إلكترونيّ. دعتْه إلى زيارتها. فقبل. وسافر. وأضحى الآن قِطَعَ غيارٍ بشريّةً في أجسادٍ لا يعرفها.
أصداء:
دعت عليه بالعمى. فأصبح ضريرًا، وأمسَت خرساء.
أجراس:
كان مولعًا بصيد الذباب. يترصّده. ويصفعه بيديه كلتيهما. دهستْه شاحنةٌ مساءً. وكساهُ الطنينُ.
عربيّة:
تنازعوا بادئ الأمر من أجل فنجان قهوة. تشاتموا. تقاتلوا. ولمّا أجهدهم الأذى انتبهوا إلى أنّ التراب تجرّع القهوةَ. وبقيت في الفنجان الساقط قطرةٌ، ترشّفها أحدُهم بنهمٍ وسرعة، وبصقها فورًا متقزّزًا لأنّها مُرّة.
مولانا:
أراد السلطانُ المرورَ بين أمواج الرقاب المشرئبّة. ضرب بعصاه الجمعَ، فانفلق. أبصر وجهًا قبيحًا ضاحكًا أفزعه. تفلَ فيه. فتصارعتْ بقيّةُ الوجوه تَنْشدُ بصقةً.
حياة:
أحسّ بالجوع. تناهت إلى سمعه هتافات المتظاهرين. خرج من بيته. فجرفه سيل من المواطنين. رفع عينيه ويديه إلى السماء قائلاً بأعلى صوته: “أنا جوعان ..أنا جوعان..”. شعر بألم ممزّق اِخترق صدره. فسقط أرضاً. وقال متمتماً: “الآن شبعت”.
وباء:
جلس وقع بصره على ثقب كبير في جوربه. حاول جاهداً أن يُخفيه بوضع رجله على الرجل الأخرى. نظر حوله. فرأى جوارب كلّ التلاميذ قد مُلئت ثقوباً. وأحسّ بالمرارة لمّا اِبتسم.

التعليقات مغلقة.