سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الانتقام الكبير

فوزة يوسف –

شهد يوم 23/3/2019 حدثاً من النوع الذي يُمكن أن يوصف بالعظيم، انتزاع آخر جيب لداعش تحصن فيه، ألا وهو قرية الباغوز، لتُحرَم داعش من آخر بقعة جغرافية كانت تقوم بتطبيق قوانينها وشريعتها فيها. ولأن داعش كان على النقيض من كل ما هو مرتبط بالإنسانية والإنسان، كان هذا الانتصار انتقاماً كبيراً لكل من تلقّى الأذى منها وبخاصة نساء وأطفال شنكال الشهيدة.
اجتاحت داعش مساحات شاسعة وسقطت في يده مدن عدة وارتكبت فيها انتهاكات كثيرة. ولكن؛ ما تعرضت له شنكال وما تعرّض له أهل شنكال كان انتهاكاً وسقوطاً مدوياً لكل المبادئ الإنسانية، كانت عملية إبادة شعب باسم الدين وباسم  الله، كان استهدافاً لجذورنا وعمقنا المتمثل بجبل شنكال وأهله الذين تعرضوا لأكثر من 73 محاولة إبادة، كانت أبشعها تلك التي تعرضوا لها على يد داعش، وأنا عادة لست في موقع من يحبذ الثأر والانتقام، إلا أن شنكال كانت بحاجة إلى من يثأر لها وهذا ما تم من خلال هذا الانتصار الرائع.
ونحن نحتفي بهذا الانتصار الكبير، نعلم جيداً أنه بدأ من كوباني باستشهاد الآلاف من أبناء وبنات الشعب الكردي، بدأ ككرة نار صغيرة وكلما تدحرجت كبرت أكثر لتصبح اليوم أعظم قوة؛ معتمدين بذلك على فلسفة الأمة الديمقراطية. لذلك؛ فإن هذا الانتصار هو انتصار لفلسفة الأمة الديمقراطية التي لا تتبنى الاختلافات الإثنية والدينية والثقافية والتي لولاها؛ لما التحق الشبان والشابات من مختلف المكونات الأخرى بهذه الحرب؛ ذلك أن الروح المعنوية لدى المقاتلين هامة جداً؛ من أجل كسب المعركة، فليس بالسلاح وحده تُكسب الحروب، بل لا بد من هدف نبيل لها.
انتهت داعش كخلافة وسلطة على الأرض إلا أن خطرها لم يُنفَ بشكل مطلق، ليس فقط لأنها ما زالت تملك خلايا نائمة،  بل لعدة أسباب أخرى أوجزها فيما يلي:
أولاً: القوى التي كانت تدعم داعش ما زالت مستعدة لفعل كل ما يلزم لئلا ينتهي داعش وستفعل كل ما تستطيع حتى تُفعّل خلاياها النائمة وتضرب الاستقرار في مناطقنا. فتركيا تلعب دوراً خطيراً في هذا المجال وقد سعت وما زالت تسعى لإطالة عمر داعش وتأخير هزيمتها النهائية ولن تبذل جهداً لإثارة وتفعيل خلاياها النائمة في كل مناطق شمال وشرق سوريا.
ثانياً: الثقافة الاجتماعية والسياسية التي أوجدت وغذت داعش لم تنتهِ أيضاً بعد. ستقوم داعش وحلفاؤها بتقديم العون للشخصيات التي كانت قد تبنّت فكر داعش وتحريضهم بشكل دائم.
ثالثاً: ستبقى آثار حرب داعش لسنين طويلة، فقد دمرت داعش مدنا بأكملها وإعادة إعمارها تحتاج ربما لعشرات السنين.
رابعاً: حرب الجبهات المفتوحة أسهل من الحرب ضد الخلايا المتخفية والأشخاص المتخفيين.
خامساً: البغدادي ما زال حياً يُرزق؛ ما يعني أن خطر إعادة داعش تنظيم نفسه ما زال قائماً.
لكل ما سبق؛ يجب أن نبقى يقظين ومستعدين لمرحلة جديدة في حربنا ضد داعش، وهي مرحلة ليست سهلة بتاتاً، يجب العمل فيها على أكثر من صعيد وفي آن واحد مع مشاركة فعالة من المجتمع حتى يكون النجاح فيها منجزاً وتاماً، وهذه المرحلة في حربنا ضد داعش تملي علينا أكثر من أي وقت مضى أن نكون يداً واحدة ونعمل معا بجد من أجل مواجهة كل التحديات الملحة.
انتصارنا هام جداً. ولكن؛ الأهم هو كيف نحمي هذا النصر ونعززه بترسيخ ثقافة التعايش السلمي بين الإثنيات والعقائد وصياغة منظومة دفاعية فعالة تحمينا من كل الهجمات، و يبقى انتصارنا النهائي مرهوناً بإنجاز ما سبق.

التعليقات مغلقة.