محمد جهادي
صباح كل يوم، يجلس بائع كتب في شارع المتنبي وسط العاصمة بغداد، مترقباً أن يبيع كتاباً واحداً لكن الحال لم يعد كما كان قبل أربعة أعوام وأكثر حين كان الطلب على الكتب يشهد زخماً كبيراً ولا يختلف حال بائع آخر، يفكر اليوم بالتخلي عن بسطته والاتجاه إلى مشروع آخر بعدما لم يعد بيع الكتب يحقق الفائدة المرجوة.
ويعرف شارع المتنبي، بإرثه الثقافي الغني وكونه الوجهة الأبرز لعشاق الكتب في العراق إلا أن بسطاته اليوم تواجه تراجعاً ملحوظاً في الإقبال على شراء الكتب مقارنة بما كانت تشهده في سنوات سابقة.
يقول محمد حسين، أحد أصحاب بسطات بيع الكتب لـ “روج نيوز”: “سابقاً كان مخزون الكتب ينفد خلال أسبوع وأتحدث هنا عن سنوات مضت، أما اليوم فبالكاد نبيع كتابين أو ثلاثة في اليوم”.
ولم يحدد حسين الأسباب بشكل كامل غير أنه أشار إلى أن “القراءة لم تعد تستقطب اهتمام الشباب نتيجة تأثير مواقع التواصل الاجتماعي وانتشار صناعة المحتوى”، مضيفاً أن “كبار السن هم الأكثر بحثاً عن الكتب وغالباً ما يطلبون الكتب النوعية والمتخصصة”.
وأثر هذا الفتور في شراء الكتب بشكل كبير على عمله فيما أسهم انتشار المشاريع التجارية في شارع المتنبي في تغيير ملامحه، الأمر الذي يرى أنه أضعف الهوية الثقافية التي عُرف بها الشارع على مدى عقود.
فعندما تدخل شارع المتنبي اليوم، لا ترى ذلك المشهد الذي اعتاده العراقيون قبل أعوام، كتب تتراص على الأرصفة، وقراء يقلبون صفحاتها بشغف وزحام يتشكل أمام بسطة بحثاً عن عنوان نادر، وبدلاً من ذلك، تشاهد منافسة محتدمة بين باعة المحابس والألعاب الإلكترونية وأصحاب الأكشاك التي تبيع المأكولات الشعبية فيما تفوح رائحة الطعام في المكان الذي كانت تعبق فيه رائحة الكتب العتيقة.
ذلك المشهد يلخصه بائع الكتب جميل الباهر الذي لم يحتج إلى إجابة طويلة عندما سئل عن حال شارع المتنبي بل اكتفى بكلمتين حملتا كثيراً من الألم: “أريد أعزل”، لم يكن يقصد الانتقال من مكان إلى آخر وإنما ترك بسطته التي قضى فيها 13 عاماً بين الكتب.
ويقول: “أقضي نهاراً كاملاً حتى أبيع كتابين، وهو رقم لم يعد مجزياً مقارنة بالأعوام السابقة. في السابق، كانت هذه البسطة تكفي لتسديد إيجار المنزل وتأمين معيشة أسرتي أما اليوم فأنا أبحث عن بديل”، في إشارة إلى تراجع الإقبال على القراءة بعدما باتت الأولوية لدى كثيرين للسلع والأنشطة التجارية أكثر من اقتناء الكتب.
ويأمل بائعو الكتب أن تستعيد القراءة حضورها في شارع المتنبي وأن تعود البسطات التي شكّلت لعقود جزءاً من هوية المكان إلى واجهة المشهد بعد سنوات من تراجع الإقبال واتساع النشاط التجاري.