في 28 شباط 2025، ومع “دعوة السلام والمجتمع الديمقراطي” التي أطلقها القائد عبد الله أوجلان أولاً، وعلى عكس دعوات السلام السابقة، فإن نطاق العملية الجديدة وطبيعتها وهدفها يمثل مفترق طرق لا رجعة فيه بالنسبة لكل من تركيا والكرد وشعوب المنطقة. فـ”دعوة السلام والمجتمع الديمقراطي” ليست مجرد دعوةً عادية، بل هي بيان يحدد مصير شعوب تركيا والمنطقة.
الرأي العام التركي والكردستاني ينتظر “قانون الإطار” ومتى سيصدر. الذي ينظر إليه بأن يكون ضمانة قانونية، لنجاح عملية الاندماج الديمقراطي، وبما أن حزب العدالة والتنمية والدولة والبيروقراطية لم يستجيبوا لعمليات السلام السابقة، حدثت انكسارات كبيرة.
دولة حزب العدالة والتنمية.. من أيار 2013 إلى أيار 2026
في 13 عاماً شهدت أربع انكسارات كبرى: أحداث غيزي، وانهيار “عملية الحل” 2011ـ 2013 والهجمات على حزب الشعوب الديمقراطي وحرب الوصاية، “الانقلاب المضبوط” في 15 تموز 2016، و”ضربة البطلان المطلق” لمؤتمر حزب الشعب الجمهوري في أيار 2026، هذه هي عملية الانكسارات في التاريخ السياسي التركي للسنوات الخمس عشرة الماضية.
عند قراءة القانون والأمن والصراعات الحزبية مع بعضها، تظهر معادلة واحدة:
تمثل مركزية النظام الرئاسي التركي في السياسة الداخلية، واستمرارية تقليد الدولة العثمانية الجديدة في السياسة الخارجية عبر المزج التركي ـ الإسلامي، السبب في إسقاط طاولة السلام 2011ـ 2013.
منذ وصوله إلى السلطة كمشروعٍ للقوى العالمية، أنتج حزب العدالة والتنمية مؤامرات فعلية، وملأ الفراغ السياسي بنظريات المؤامرة عبر الأزمات وعدم اليقين وبناء العدو للسيطرة على المعارضة وإعادة تأسيس شرعيته.
بين 2024ـ 2026 أضاف نقاش “السلام والمجتمع الديمقراطي” متغيراً جديداً لهذه المعادلة: بينما يعطي حزب العدالة والتنمية إشارة حوار في المسألة الكردية، يقوم في الوقت نفسه بتصميم المعارضة الداخلية عبر دعوى “البطلان المطلق” لمؤتمر حزب الشعب الجمهوري، وفي الخارج “مركز الطاقة”. انتقلت السياسة في تركيا من الصندوق إلى المحكمة ومنها إلى “طاولة الطاقة”. أصبح خطاب “السلام والمجتمع الديمقراطي” المبرر الأيديولوجي لهذا الانتقال، و”البطلان المطلق” هو الأداة التشغيلية.
الحصيلة القصيرة للأحداث الأربعة.. نقاط الانكسار
أحداث غيزي، أيار ـ حزيران 2013
بدأت كاحتجاجٍ بيئي ضد مشروع تحويل منتزه غيزي في تقسيم إلى مول وثكنة عسكرية، وانتشرت إلى 80 محافظة. خرج 3.5 مليون شخص إلى الشوارع، وصفت السلطة التنفيذية ذلك بـ “محاولة انقلاب بدعمٍ خارجي”، في 2023 تأكدت الأحكام في “الدعوى الرئيسية لغيزي” بموجب المادة 312/1 من القانون الجنائي التركي “الشروع في إسقاط الحكومة”.
الحصيلة: تم إخراج الشارع من كونه مصدر شرعية. أصبح رد فعل الدولة الأمني “طبيعياً”، تم ترميز كل معارضة مجتمعية بعد 2013 بخوف “أن تصبح مثل غيزي”.
عملية الحل 2011ـ 2015 وتجميدها:
قامت حكومة حزب العدالة والتنمية بمسار أوسلو 2011 ومسار إمرالي 2013ـ 2015 لتجاوز الصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني بحل سياسي. في 21 آذار 2013 “دعوة إلقاء السلاح” في نوروز، وفي 28 شباط 2015 “اتفاق دولمة بهتشه” مع خارطة طريق من 10 مواد. في 7 حزيران 2015 حصل حزب الشعوب الديمقراطي على 13.12% وخسر حزب العدالة والتنمية الأغلبية، تم إنهاء العملية بذريعة مقاومة كوباني 6ـ 7 تشرين الأول 2014 ومقتل شرطيين في جيلان بنار في 22 تموز 2015، بعدها: عمليات في جزرة وسور وشرناخ، وحظر التجول، وتعيين أوصياء على 95 بلدية.
الحصيلة: انتقلت المسألة الكردية من أرضية البرلمان إلى أرضية الأمن/العمليات، خرجت كلمة “الحل” من الأدبيات السياسية.
محاولة الانقلاب 15 تموز 2016:
قام امتداد تنظيم “فيتو” داخل الجيش بمحاولة انقلاب “مضبوطة”، 251 قتيلاً و2196 جريحاً. في 20 تموز أُعلنت حالة الطوارئ. بدأ نظام المراسم: 32 مرسوم، 125 ألف و678 موظف عام تم فصلهم، 50 ألف و510 معتقلين. أُعيد تأسيس القضاء والشرطة والجامعة والجيش جذرياً. استفتاء 16 نيسان 2017 بنسبة 51.4% أنهى النظام البرلماني وأتى بنظام الرئاسة.
الحصيلة: تم تطبيع حالة الطوارئ، تجمعت السلطة التنفيذية بيدٍ واحدة. تقدّم خطاب “البقاء” على السياسة الدستورية.
دعوى “البطلان المطلق” لمؤتمر حزب الشعب الجمهوري، 2023ـ 2026:
عقد حزب الشعب الجمهوري المؤتمر العادي 38 في 4 ـ 5 تشرين الثاني 2023 والمؤتمر الاستثنائي 21 في 6 نيسان 2025. رُفعت دعوى بـ “شراء الأصوات مقابل المال” بتوقيع مندوبي المؤتمر. رفضتها المحكمة المدنية 42 في أنقرة في 2025. محكمة الاستئناف الإقليمية 36 في أنقرة قالت في 21 أيار 2026 “بطلان مطلق”: المؤتمر باطل، تم إبعاد إدارة أوزغور أوزال احتياطياً وإعادة كمال كليجدار أوغلو. نقل الحزب القرار إلى المجلس الأعلى للانتخابات.
الحصيلة: انتقل الصراع داخل الحزب إلى قاعة المحكمة، تم تطبيق مفهوم “البطلان المطلق” من القانون التجاري التركي المادة 446 على مؤتمر حزب سياسي، تم سحب السياسة إلى قانون التجارة.
النتيجة المشتركة للأحداث الأربعة: انتقلت آلية اتخاذ القرار من البرلمان إلى محور القضاء/الإدارة.
الرابط بين الأحداث
في محاولة لربط ما سبق سنجد ثلاث محاور مشتركة:
تحوّل جهاز الدولة:
عدم الثقة التي بدأت مع غيزي تعمقت مع تصفية 17 ـ 25 كانون الأول 2013 في البيروقراطية. بعد 15 تموز أُعيد تأسيس الجيش والقضاء والشرطة والجامعة. نظام 2017 حول 26 وزارة إلى 17 وزارة ورئاسات. أصبحت المراسيم الرئاسية بقوة القانون، هذا البناء هيأ أرضية كل من النموذج الأمني الذي أنهى عملية الحل و”قضائية السياسة” مثل دعوى مؤتمر المعارضة.
“دسترة السلطة التنفيذية”، انسحب التشريع والقضاء إلى ظل السلطة التنفيذية.
ديناميكيات التحالفات:
بعد انتهاء عملية الحل بدأ التقارب بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية. بعد 15 تموز تم ترسيم “تحالف الجمهور”. مرر التعديل الدستوري 2017 والانتخابات 2018 عبر هذا التحالف. في 2019 خسر تحالف الجمهور إسطنبول وأنقرة. في الانتخابات المحلية 2024 حصل حزب الشعب الجمهوري على 37.7% وأصبح الحزب الأول بعد 47 عاماً. مع تقوي المعارضة دخلت الأدوات القانونية حيز التنفيذ: الوصاية، رفع الحصانة، إغلاق الأحزاب، إبطال المؤتمرات.
“سلطوية تنافسية” توجد انتخابات لكن مساحة اللعب ضيقة، لأن الانتخابات دخلت ضمن مجال سيطرة السلطة، فقدت الشفافية قوتها.
نقاش الشرعية:
بدأت في الأحداث الأربعة المهمة، لأنه بعد كل حدث تم إلباس السياسة لباس القانون وتضييق مجال سياسة المعارضة.
السلطة: “غيزي، تدخّل خارجي”، “15 تموز، فيتو”، “مؤتمر حزب الشعب الجمهوري، شبهة”.
المعارضة: غيزي للمطالبة بالحق، و15 تموز أداة تصفية سياسية ضد المعارضة، أما دعوى مؤتمر حزب الشعب الجمهوري، فأضحت هندسة مؤامرة سياسية من الحكومة.
النتيجة: سار التنافس السياسي عبر القضاء والقرارات الإدارية أكثر من البرلمان. تطبيق مفهوم من القانون التجاري مثل “البطلان المطلق” على مؤتمر الحزب هو المثال الحالي لهذا الاتجاه، فعبر “سياسة قضائية”، أصبحت المحاكم فاعلاً سياسياً.
ربط السياسة الداخلية بالخارجية والهدف مركز الطاقة
بعد 2013 أصبح الشرق الأوسط وأوراسيا في مركز السياسة العالمية. لم يعد من الممكن قراءة الداخل التركي بمعزلٍ عن الخارج.
ممرات الطاقة: دخل خط باكو ـ تبليسي ـ جيهان حيز الخدمة 2006، وتاناب 2018، والتركي 2020. بعد حرب روسيا ـ أوكرانيا 2022 أرادت أوروبا تنويع الغاز، وبرزت قيمة تركيا كجسر.
البيانات: سعة تاناب 16 مليار م³ ويمكن أن تصل إلى 31 مليار م³. في 2025 بدأ غاز تركمانستان بالتدفق عبر خط إيران تركيا إلى أوروبا. في 2026 تنتهي 60% من عقود بوتاش مع روسيا. تريد تركيا أن تصبح مشترياً وبائعاً.
دفعت حرب الشرق الأوسط تركيا إلى تدخلٍ مباشر في سوريا وليبيا وفتح المجال لرأس المال العالمي. كانت هذه العملية في نفس الوقت عملية توحيد للسياسة الداخلية. جمع السلطة بيد شخص واحد شرعن سلطة اتخاذ القرار النشط في السياسة الخارجية بينما يقمع المعارضة الداخلية.
2011 “العمق الاستراتيجي” 2016 “السياسة الخارجية النشطة”، عبر التدخّل في سوريا وليبيا وقره باغ وشرق المتوسط، تمكنت السلطة من توحيد القاعدة القومية ـ المحافظة وموازنة نقاشات الشرعية في الداخل. في أوقات غيزي و15 تموز وأزمة العملة 2018 برز خطاب “البقاء”.
“إنتاج الشرعية في السياسة الخارجية”، تم استخدام النجاح الخارجي كأداة لتوحيد الداخل.
الحلقة الداخلية ـ الخارجية
تزامنت أحداث غيزي 2013 مع الأزمة السورية. أرادت السلطة إنهاء عملية الحل. مع انتصار كوباني في مقاومتها؛ برزت قوة حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية المرأة ووحدات حماية الشعب في روج آفا. بعد 15 تموز 2016 قرب التوتر التكتيكي مع الغرب السلطة من محور روسيا وقطر وأذربيجان. شراء Sـ 400 والخروج من Fـ 35 كان نتاج هذه الفترة.
النتيجة: كلما تصلبت السياسة الداخلية برز الخطر في السياسة الخارجية. وكلما أخذت السياسة الخارجية مخاطرة طلبت السياسة الداخلية “صوتاً واحداً”.
لماذا الارتباط بتقليد الدولة بعد 2013؟
ـ في توحيد السلطة:
السياسة الداخلية والخارجية جناحان لاستراتيجية واحدة. النشاط في الخارج ينتج شرعية. المركزية في الداخل تدير المخاطر الخارجية، تم الدفاع عن نظام 2017 بحجة “الائتلافات تشل تركيا”. عدم فتح المجال للمعارضة حتى لا يتعارض مع هدف “الظهور قوياً في الخارج”.
روبرت بوتنام يسميها “لعبة المستويين”. القادة يتفاوضون في الطاولة الخارجية والداخلية معاً.
ـ في الاستمرارية البنيوية
ما بعد 2013 ليس جديداً، بل هو الجين الدولتي للجمهورية. 1925ـ 1946 الحزب الواحد “الاستقرار”، 1960 “النظام الدستوري”، 1980 “بقاء الدولة”، 2016 “الوحدة الوطنية”، تغيرت الأداة: محاكم شرعية، قضاء عسكري، مراسيم، محكمة مدنية. المنطق واحد: حماية النظام بالقانون الاستثنائي.
سياسة “الدولة ـ المحور” الوافدة من العثمانيين: ما يلتحق بالدولة شرعي، وما لا يلتحق في الخارج. في الجمهورية تم ترميز الكردي والعلوي واليساري والإسلامي بالتناوب كـ “ضد النظام”. بعد 2013 وقع غيزي وحزب الشعوب الديمقراطي وحزب الشعب الجمهوري في الكود نفسه.
تناقض الديمقراطية ـ التوسعية والآليات
النشاط في الخارج والمركزية في الداخل يبدو تناقضاً. آليتان تديران هذا التناقض:
قضائية السياسة:
انتقل التنافس من الصندوق إلى المحكمة. إغلاق الحزب: محاولة إغلاق حزب الشعوب الديمقراطي 2021. رفع الحصانة: 2016 عن نواب ورؤساء حزب الشعوب الديمقراطي. إبطال المؤتمر وتطبيق قرار “البطلان المطلق” على حزب الشعب الجمهوري هو في الأساس مهمة أعطتها القوى العالمية لحزب العدالة والتنمية في القرن 21. لهذا أصبح مفهوم “العدالة” في تركيا: القانون أداة للتنافس السياسي.
استراتيجية الاستقطاب:
خطاب البقاء في السياسة الخارجية حدّ من التناقض “سلطةـ معارضة” في الداخل. عندما تُتهم المعارضة بأكواد غير قانونية وغير ضرورية يضيق مجال التنافس الطبيعي. تجمعت ملكية الإعلام بنسبة 80% في كتلة واحدة. تركت بلديات المعارضة تحت ضغط مالي عبر ديون الضمان الاجتماعي وخصومات بنك البلديات. مع صعوبة الوصول للمصادر ضعفت التعددية.
نتيجة النظام:
جاء نظام 2017 بوعد “سلطة تنفيذية قوية”. تشكل نموذج “الحزب المهيمن” حتى بدون حزب واحد. توجد انتخابات لكن عدم توازن القواعد جعل تغيير السلطة صعباً بنيوياً. انتصار حزب الشعب الجمهوري في المحليات 2024 أظهر أن النظام ليس مغلقاً 100%. لكن الباب موارب وليس مقفولاً.