يواصل السياسيون العرب رفع أصواتهم، لدعم مسار السلام والمجتمع الديمقراطي، الذي أطلقه القائد عبد الله أوجلان، حيث يرتفع أصوات سياسيَّة عربيَّة فاعلة، مطالبةً النّظام التُّركي بالكفّ عن وضع العثرات أمام مسار عمليَّة السَّلام والمجتمع الدّيمقراطي، وأكدوا أن استمرار سياسة الإبادة والتعذيب على القائد عبد الله أوجلان، دليل المقاربات التركية الخاطئة تجاهه وتجاه عملية السلام.
بينما أطلق القائد عبد الله أوجلان مبادرات متكرِّرة أو رسائل وخطوات متواليَّة في إطار مبادرته لفتح أفق سياسي داعم لعمليَّة السَّلام والقيام بكافَّة ما يمكن القيام به، يقابل النّظام التُّركي هذه المساعي بالمماطلة الّتي لا تتوقَّف. ويكفي أنَّهُ حتَّى الآن لم يحمل الإطار القانوني لعمليَّة السَّلام أيَّ جديد أمام البرلمان.
ويرى المراقبون والسّياسيّون العرب، أنْ تعمُّد النِّظام التُّركي وضع العراقيل أمام عمليَّة السَّلام لا يعكس سوى رغبة في استثمار المبادرات الكرديَّة، لتحقيق مكاسب تكتيكيَّة، بدلاً من الدُّخول في تسوية تاريخيَّة شاملة، ويؤكِّد السّياسيَّون أنَّ استمرار النَّهج القومي المتشدِّد للحكومة التُّركيَّة، يُعمِّق الفجوة ويدفع بالعمليَّة برمَّتها نحو حافَّة الفشل.
ولا يمكن فصل عمليَّة السَّلام عن رمزيَّتها القياديَّة، فالإبقاء على القائد عبد الله أوجلان في عزلة تامَّة، وقطع قنوات الاتصال معه، يمثِّل انتهاكاً ليس فقط للقوانين الدَّوليَّة وحقوق الإنسان، بل هو تعطيل متعمَّد لأهمّ مفتاح للحلّ السّياسيّ. فغياب القائد عبد الله أوجلان عن المشهد، وقدرته على توجيه العمليَّة السّياسيَّة، يُفرِّغ المسار من محتواه، ويشكِّل مقامرة كبيرة بالسَّلام وفقدان المكوِّن الكردي الثِّقة به.
تشديد سياسة الإبادة والتعذيب محاولة لتقديم تنازلات
في السّياق، تحدث السّياسي المصري البارز، “أحمد بهاء الدِّين شعبان“، لوكالة فرات للأنباء: “التَّطوُّرات الأخيرة في ملفّ عمليَّة السَّلام، بين الدَّولة التركيَّة وحركة التحرر الكردستانية، تشير إلى غياب مؤشِّرات جدّيَّة على رغبة أنقرة، في التَّوصُّل إلى تسوية سياسيَّة حقيقيَّة للقضيَّة الكرديَّة”، معتبراً أنَّ تشديد سياسة الإبادة والتعذيب المفروضة على القائد عبد الله أوجلان، يعكس استمرار نهج الضَّغط والقمع بدلاً من الحوار.
وأوضح: “منذ الإعلان عن مبادرة السلام، المواقف الرَّسميَّة التُّركيَّة لم تتضمَّن ما يدل على استعداد فعلي للوصول إلى سلام يحقِّق مصالح الشَّعبين الكردي، والتُّركي، وأنَّ التَّصريحات الّتي تحدَّثت عن “هزيمة” الكُرد وإلقائهم السِّلاح، عزَّزت قناعته بأنَّ الحلّ السّياسي لا يزال بعيد المنال”.
ورأى: “الإجراءات الأخيرة بحقّ القائد عبد الله أوجلان، ومن بينها العودة إلى تشديد سياسة الإبادة والتعذيب “العزلة” عليه، تمثِّل محاولة للضَّغط على الحركة الكرديَّة، من أجل تقديم مزيد من التَّنازلات، وهذا السَّلوك، يؤكِّد أنَّ خيار التَّسوية السّلميَّة ليس مطروحاً بجدّيَّة في الوقت الرَّاهن، أنَّ القيادة التُّركيَّة، ما زالت تراهن على إمكانيَّة حسم الصِّراع عبر الأدوات الأمنيَّة، في حين أنَّ الحركة الكرديَّة تتمسك بالصَّبر الاستراتيجي، ومواصلة النِّضال السِّلمي للدِّفاع عن حقوقهم المشروعة”.
واختتم، أحمد بهاء الدين شعبان: “لقد أثبتت الحركة الكرديَّة عبر مواقفها المختلفة منذ بدء عمليَّة السَّلام، أنَّها الطَّرف الأكثر حرصاً على إيجاد مخرج سلمي، وبات مطلوباً من الحكومة التُّركيَّة اليوم، القيام بخطواتِ ملموسةٍ، تشمل إنهاء سياسة الإبادة والتعذيب فوراً لتمكين القائد عبد الله أوجلان، من لعب دوره في عمليَّة السَّلام، وإقرار القانون للسَّلام في إطار عمليَّة دستوريَّة وقانونيَّة، التي تقود في نهاية المطاف إلى الاعتراف بالوجود الكردي، وحقوقه الثَّقافيَّة والسّياسيَّة كجزء لا يتجزَّأ من النَّسيج الوطني”.
على تركيا تحمل مسؤولياتهاالتاريخية
بدوره، أكَّد، عضو المكتب السّياسي لجبهة النّضال الشَّعبي الفلسطيني، “محمد علوش“: “القائد عبد الله أوجلان قدَّم دعوة مهمَّة للانتقال من مرحلة الصِّراع، إلى مرحلة البناء الدِّيمقراطي، القائم على الحوار والسِّياسة وسيادة القانون، والقيادة التُّركيَّة، مدعوَّة لتحمُّل مسؤوليَّات تاريخيَّة، من أجل الدَّفع نحو تسوية ديمقراطيَّة عادلة، تفتح آفاقاً جديدة للعلاقة بين الشَّعبين التُّركي والكردي، على أساس الشَّراكة والاعتراف المتبادل”.
واختتم، محمد علوش: “بناء مجتمع ديمقراطي حقيقي، يتطلَّب توفير بيئة قانونيَّة، تحمي الحرّيَّات العامَّة وتحترم التَّعدُّديَّة الثَّقافيَّة، والسّياسيَّة، وتمكِّن المرأة من المشاركة الفاعلة، لأن استقرار المنطقة وتعزيز السِّلم الأهلي يرتبطان بترسيخ قيم الدّيمقراطيَّة، واحترام حقوق الإنسان، وإنهاء مختلف أشكال الإقصاء السّياسي والقومي”.
أن التَّطوّرات الإقليميَّة والدَّوليَّة المتسارعة، لم تعد تمنح أيَّ طرف ترف تضييع الوقت في سياسات الإنكار، حيث يؤكَّد مراقبون أنَّ نجاح عمليَّة السَّلام ليس مطلباً كرديَّاً فحسب، بل هو ضرورة استراتيجيَّة للرَّأي العام التُّركي، والمنطقة بأسرها، فاستمرار السّياسات الحاليَّة لن يؤدِّي إلّا إلى تعميق الأزمة، بينما يظلُّ الحلُّ السّياسي، القائم على الاعتراف والحوار المباشر، هو السَّبيل الوحيد لضمان استقرار دائم ومستقبل يقوم على التَّعدُّدية والعدالة.