انطلقت اليوم آخر قافلة، وبها أُغلق باب التهجير الذي فُتح قبل تسع سنوات.
تسع قوافل لتسع سنوات.. حتى عاد أهل الزيتون إلى أرضهم.
في آذار هجروا قسراً، وفي آذار عادوا.
وكأن لعفرين موعداً دائماً مع الأرقام.
لكن بين التهجير والعودة عمرٌ كامل، وذاكرةٌ كاملة، ووجعٌ كامل.
من كشوف التهجير إلى عتبات البيوت، بعد تسع سنوات من الطريق وصل أهل عفرين إلى حيث كانوا. لم يعودوا أرقاماً في إحصاء، ولا أسماء على باب مخيم، عادوا أهل بيت وأهل أرض وأهل قبرٍ وأضرحة شهداء انتظرت الزيارة طويلاً.
كانوا موزعين في قامشلو والحسكة وديرك وكوباني وحلب وفي خيام تتنفس الغبار، كان يُكتب عنهم في التقارير “مهجرون”، وكان عنوانهم في بطاقة الإيواء، ويُلفظ اسمهم في الاجتماع.
واليوم تجمعوا في حاراتهم التي حفظت أصواتهم، وعلى العتبات التي ما زالت تحتفظ ببصمات أطفالهم الصغار. لم تكن السنوات التسع رقماً في التقويم.. كانت عمر طفل كبر في المخيم ولم يرَ شجرة الزيتون التي غرسها جده. كانت ليالي باردة، وأيام انتظار، وتهجيراً يتبعه تهجير. لكنها؛ كانت أيضاً صموداً، صمود من رفض أن يبيع مفتاح بيته، وصمود من علّم أولاده اسم القرية قبل اسمه، وصمود من حمل في كيسٍ صغير حفنة تراب وقال: “هذا من أرضنا، سنعود إليه”.
انتهى اسم “التهجير”، وبقي الاسم الذي لا يُمحى “عفرينيون… أصحاب الزيتون”.
عادوا إلى البيوت التي سكنها الغرباء، عادوا إلى الحقول التي قُطعت أشجارها فزرعوا فيها الوعد.
عادوا إلى المقابر التي اشتاقت لدمعة فبللوها بالزيارة، عادوا لا ليعيشوا فقط، بل ليقاوموا بطريقتهم بالبقاء.
المقاومة كانت أن تتذكر رائحة المطر على ورق الزيتون، أن تتذكر صوت الفجر وهو ينزل من جبل كرداغ.
المقاومة كانت أن تبقى عفرينياً رغم التهجير، أن ترفض الإزالة من الخارطة رغم كل محاولات المحو.
هذه العودة من قيل لهم: “لن تعودوا” فعادوا.
عودة من كتبوا على جدران المخيم “سنعود” فعادوا.
القافلة الأخيرة التي انطلقت اليوم، لم تحمل أمتعة فقط، بل حملت ذاكرة، حملت حنين تسع سنوات، حملت إصرار شعبٍ علمته الجبال كيف لا ينحني.
على باب المدينة علّق الاحتلال لافتة: “ممنوع الدخول”، فدخلوا، ومسحوا المنع، وكتبوا مكانه “عدنا”.
وسلاماً على من ينتظر دوره في قوافل العودة، وليكن مطافهم القادم إلى مدينتهم، إلى الشيخ مقصود وسري كانيه وكري سبي