No Result
View All Result
أسعد العبادي
المديح الذي حظي به كل من أردوغان وأحمد الشرع، والزيارة المرتقبة لرئيس مجلس وزراء العراق إلى دمشق وواشنطن، وما يثيره ذلك من مخاوف جراء تشكيل محور جديد يهدد أمن المنطقة، ويشي بأن محور أنقرة الجديد يقع بين مديح الناتو للرئيسين التركي والسوري؛ أثار مخاوف دول الشرق الأوسط حيث شهدت العاصمة التركية أنقرة، في السابع والثامن من تموز 2026، انعقاد قمة حلف الناتو في نسختها السادسة والثلاثين، في توقيت بالغ الحساسية وسط تصاعد الحرب مع إيران وتزايد التوترات الإقليمية.
لم تكن هذه القمة مجرد اجتماع روتيني للحلفاء، بل حملت في طياتها تحولات استراتيجية كبرى، أعادت رسم ملامح التحالفات في الشرق الأوسط، وأثارت مخاوف جدية من تشكّل محور جديد يُهدد أمن المنطقة برمتها. فقد كان هناك رجلان على منصة التتويج. أردوغان والشرع.
كان أردوغان الرابح الأكبر في هذه القمة التي احتضنتها بلاده، حيث خرج بنتائج وصفت بأنها “تاريخية”. وقد تجلى ذلك بوضوح في علاقته المتميزة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصفه بأنه “صديق” وقائد عظيم. لم تكن هذه المجاملات مجرد كلام سياسي، بل ترجمت إلى مكاسب ملموسة على الأرض، كان أبرزها تعهد ترامب بالعمل على رفع العقوبات الأمريكية عن تركيا بموجب قانون “كاتسا” (CAATSA)؛ ما يفتح الباب أمام عودة أنقرة لبرنامج طائرات F-35 الشبحية. هذا التطور، رغم أنه لا يزال بحاجة إلى موافقة الكونغرس ويثير معارضة إسرائيلية شديدة، فإنه يعكس تحولا جوهريا في مكانة تركيا داخل الحلف، من دولة تقليدية على الجناح الجنوبي إلى فاعل استراتيجي متعدد الأبعاد وعمود أساسي في الجهود الدفاعية للناتو.
أما المفاجأة الأبرز فكانت المشاركة غير المسبوقة لرئيس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع في القمة، ولقاؤه التاريخي مع ترامب. وقد توجت هذه المشاركة بمديح علني من الرئيس الأمريكي الذي وصف سوريا بأنها أصبحت “مستقرة للغاية”، وأعلن رسميا عن بدء إجراءات شطبها من قائمة الدول الراعية للإرهاب. هذه الخطوة، التي أشادت بها دمشق باعتبارها كسرا لعزلة دامت سنوات وعودة إلى الشرعية الدولية، تعني دخول سوريا إلى قلب النظام المالي والاقتصادي العالمي، وتمثل تتويجا للجهود التركية التي قدمت نفسها كراع وحامٍ لسوريا الجديدة، حيث منح الشرع مكانة على هامش القمة كشريك أمني هام للناتو على جناحه الجنوبي.
بين مديح الناتو وتهميش أوروبا
في مشهد يعكس تحولا في طبيعة التحالف ذاته، هيمنت العلاقات الشخصية لترامب مع أردوغان والشرع على أجواء القمة، في حين بدا أن الرئيس الأمريكي يوجه أصابع الاتهام للحلفاء الأوروبيين لعدم دعمهم الكافي للولايات المتحدة في حربها ضد إيران. وقد لوحظ تفضيل ترامب الواضح للقادة الذين يتوافقون مع توجهاته السياسية، حيث خرج أردوغان والشرع بوعود ومكاسب ملموسة، بينما خرج آخرون، كرئيس وزراء ألبانيا، بخيبة أمل. هذا التوجه أدى إلى إعادة تعريف قواعد اللعبة داخل الناتو، فلم يعد الالتزام بالمؤسسات والنهج التوافقي هو المعيار، بل الانسجام الشخصي مع الرئيس الأمريكي. ولم تخل القمة من انتقادات لاذعة لتركيا نفسها، حيث اتهمها البعض بـ “الابتزاز الاستراتيجي” بوصفها “كشك تحصيل رسوم”، واستغلال عضويتها في الحلف لتحقيق أهداف إقليمية؛ ما دفع أطرافا أخرى، وبالأخص الدول الأوروبية واليونان وقبرص، للبحث عن ترتيبات أمنية بديلة لا يمكن لأنقرة نقضها.
بغداد بين دمشق وواشنطن.. زيارة تحمل أبعادا استراتيجية
في خضم هذا التحول الإقليمي، تبرز زيارة رئيس مجلس وزراء العراق المرتقبة دمشق وواشنطن كحدث بالغ الأهمية. ففي الوقت الذي يسعى فيه الشرع لترسيخ مكانته الدولية عبر تعاون وثيق مع تركيا والولايات المتحدة، يصبح الموقف العراقي محوريا في تحديد ملامح المحور الجديد. فبينما تطمح دمشق لتعزيز موقعها كمركز للاستقرار والتكامل الاقتصادي في المنطقة، تضع واشنطن شروطا لاستمرار انفتاحها على سوريا، أبرزها التعامل مع ملف حزب الله وضمان أمن إسرائيل.
تشير المصادر إلى أن ترامب تلقى “التزامات” من الشرع بشأن حزب الله، ما يثير تساؤلات حول الدور الذي قد تلعبه سوريا في لبنان مستقبلا، وهو ملف حساس يؤثر بشكل مباشر على الأمن القومي العراقي والاستقرار الإقليمي. ومن هنا، فإن زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي تأتي في توقيت دقيق لاستكشاف هذه التحولات وضمان عدم انعكاسها سلبا على مصالح بلاده، وسط مخاوف من أن يؤدي التقارب السوري – التركي ـ الأمريكي إلى عزل العراق أو فرض رؤى أمنية جديدة لا تتماشى مع مصالحه.
مخاوف تشكيل محور جديد: هل هو مبرر…؟
يثير المشهد الذي رسمته قمة الناتو التي انعقدت في أنقرة مخاوف حقيقية من تشكّل محور جديد يجمع كلاً من أنقرة ودمشق، بدعم أمريكي ضمن إطار حلف الناتو، يهدد توازنات القوى في المنطقة. فمن جهة، تعد عودة سوريا إلى الحضن الغربي عبر البوابة التركية، وتحرير اقتصادها من العقوبات، انتصارا استراتيجيا لأنقرة التي تعزز نفوذها من البحر المتوسط إلى الخليج. ومن جهة أخرى، ينظر إلى هذا التقارب على أنه يحيي فكرة “المحور الشيعي” الذي تقوده إيران، ويهدد المصالح الإسرائيلية والعربية في المنطقة. إسرائيل، التي تعتبر تركيا “العدو الجديد” وترى في صفقة F-35 تهديدا وجوديا…!!!، تراقب عن كثب تحركات أنقرة ودمشق، وتسعى لإجهاض أي ترتيبات أمنية قد تضعف تفوقها العسكري. ومع ذلك، يرى محللون أن الوضع أكثر تعقيدا، فهناك تخوفات من تحول سوريا إلى مسرح لمواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران، وهو ما تسعى تركيا لتجنبه. كما أن الشرع، يحاول بناء شبكة علاقات متوازنة لا ترتبط بمحور واحد، وتؤكد سوريا على سيادتها ووحدة أراضيها، وهو ما قد يتعارض مع الطموحات التركية أو الإسرائيلية في بعض النقاط.
في الختام يمكن القول: إن قمة الناتو التي انعقدت في أنقرة لم تكن مجرد اجتماع للحلفاء، بل كانت إعلانا عن مرحلة جديدة في السياسة الدولية في الشرق الأوسط، حيث أصبحت العلاقات الشخصية والمصالح الوطنية الضيقة هي المحرك الأساسي للتحالفات. فبينما حصد أردوغان والشرع ثمار الانفتاح الأمريكي، تبقى تساؤلات كبيرة حول مستقبل الاستقرار الإقليمي، ودور العراق المحوري في معادلة القوى الجديدة، وإمكانية تحول هذه التحولات إلى صراعات جديدة تهدد أمن المنطقة برمتها، خاصة في ظل استمرار التوتر مع إيران وتصاعد الخلافات بين تركيا وإسرائيل.
No Result
View All Result