تمني السروي
في بلدٍ يفاخر بتاريخه الحضاري العريق، ويتحدث مسؤولوه باستمرار عن هيبة الدولة وسيادة القانون، تبقى قضية حماية المرأة العراقية واحدة من أكثر الملفات حساسية وإلحاحاً، في ظل استمرار جرائم قتل النساء التي تتكرر بين فترة وأخرى، وسط انتقادات متصاعدة لطريقة تعامل المؤسسات الرسمية معها.
في هذا البلد، يبدو أن حياة المرأة لا تصبح قضية إلا بعد أن تسفك دماؤها. عندها يبدأ سباق التصريحات، وترفع عبارات التعزية، ويخرج النواب ليتحدثوا عن ضرورة تطبيق القانون، ثم ينتهي كل شيء بمجرد أن يهدأ الرأي العام. إذ تتحول العديد من الجرائم التي تستهدف النساء إلى أحداث مؤقتة تحظى بالاهتمام الإعلامي لفترة قصيرة “ترند”، لا بحرمة الدم.
الطبقة السياسية لا تعاني من نقص في الوقت، بل من خلل في ترتيب الأولويات. فهي تجد الوقت الكافي للصراع على المناصب، وإبرام الصفقات، وتبادل الاتهامات، والظهور أمام الكاميرات، لكنها تبدو عاجزة عن تحويل أمن النساء إلى مشروع وطني حقيقي. وكأن المرأة لا تدخل في حسابات الدولة إلا باعتبارها رقماً انتخابياً أو صورة تُستخدم في الحملات الدعائية.
وليس من المقبول أن تُختزل كل جريمة في كونها حادثة منفصلة، فالحقيقة أن الضحايا يجمعهن قاسم مشترك يتمثل في منظومة تتأخر في توفير الحماية، وتتلكأ في تحقيق العدالة، وتترك المجتمع يواجه الخوف وحده. بان زياد طارق… إسراء الطغان… والدكتورة فيروزة. تتغير الأسماء، لكن المشهد يبقى كما هو: الحزن ذاته، والغضب ذاته، والصمت ذاته.
الأكثر إيلاماً أن بعض المسؤولين ما زالوا يتعاملون مع هذه الجرائم باعتبارها حوادث فردية معزولة، بينما يكشف تكرارها أن القضية تجاوزت حدود الحالات الفردية، وأصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على حماية مواطنيها وضمان سلامتهم. فالدولة التي تعجز عن حماية نسائها لا يمكنها أن تدّعي نجاحها في حماية مجتمعها بأكمله.
ومن هذا المنطلق، لسنا بحاجة إلى مزيد من الخطابات التي تتحدث عن مكانة المرأة، ولا إلى احتفالات شكلية في يوم المرأة، ولا إلى شعارات براقة عن التمكين؛ فالمرأة العراقية لا تطالب بأن تُكرَّم بعد رحيلها، بل تطالب بأن تعيش بأمان وكرامة وهي على قيد الحياة.
إن العار لا يكمن في وقوع الجريمة بحد ذاتها، فالجرائم تحدث في مختلف المجتمعات، وإنما يكمن العار في أن يتحول الصمت إلى سياسة، وأن يصبح التأخر في تحقيق العدالة أمراً معتاداً ومقبولاً، كما هو الحال في العديد من مناطق الشرق الأوسط في الوقت الراهن. إن الخطر الأكبر هو أن تصل المجتمعات إلى مرحلة تُعامل فيها دماء النساء وكأنها أقل إلحاحاً من أي ملف سياسي أو قضية أخرى، رغم أن حماية الإنسان وحقه في الحياة يجب أن يكونا في مقدمة الأولويات.
على النواب أن يتوقفوا عن الحديث باسم النساء في مواسم الانتخابات، إذا كانوا سيختارون الصمت عندما تُنتهك أبسط حقوقهن. وعلى السياسيين أن يدركوا أن قوة الدولة لا تُقاس بعدد الخطب والوعود، بل بعدد الأرواح التي تنجح في حمايتها وصون كرامتها.
فالمرأة العراقية ليست ملفاً ثانوياً، ولا قضية يمكن تأجيلها إلى جلسة أخرى، وليست رقماً يُضاف إلى الإحصاءات السنوية؛ إنها مواطنة كاملة الحقوق. وأي دولة تعجز عن ضمان حقها في الحياة والأمان والعدالة، عليها أن تعيد النظر في ادعائها بأنها دولة قانون.
لن يصبح العراق أكثر قوة لمجرد امتلاكه تاريخاً عظيماً، بل عندما تصبح حياة المرأة فيه خطاً أحمر لا يُسمح لأحد بتجاوزه، وعندما يدرك كل مسؤول أن الصمت أمام سفك دماء النساء ليس حياداً، بل إخفاق سياسي وأخلاقي.