سؤال يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه يلامس واحداً من أعمق ألغاز الوجود، فالحياة مزيج متشابك من النجاحات والإخفاقات، واللقاءات والفراق، والولادة والموت، والأمل والانكسار، ومع ذلك، يظل الإنسان متعلقاً بها تعلقاً عجيباً، يدافع عنها، ويتمسك بها، ويسعى إلى إطالة أمدها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
فما السر؟ ولماذا تبدو الحياة جميلة، رغم كل ما يثقلها من آلام ومحن؟
يرى البعض أن تعلقنا بالحياة يعود إلى غريزة البقاء التي جُبلنا عليها، بينما يرى آخرون أن الإنسان يبحث دائماً عن معنى يمنح أيامه قيمة، لكن هذه التفسيرات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لفهم سر تعلقنا بهذه الحياة.
يكفي أن نتأمل أمّاً بسيطة تعمل في تنظيف المنازل، تنهض مع الفجر، وتعود منهكة عند الغروب، وظهرها مثقل بالتعب، ويداها تحملان آثار الكدح الطويل، قد لا تجد في يومها متسعاً للتأمل الفلسفي أو البحث عن أسرار الجمال، لكنها تجد ما يدفعها إلى مواصلة الطريق: رؤية أطفالها يكبرون أمام عينيها، هنا يتحول الجمال من فكرة مجردة إلى معنى حيّ يتجسد في العطاء والمحبة والمسؤولية، فالحياة تمنح الإنسان ما يخفف وطأة المعاناة.
أذكر أنني في أحد أصعب أيامي، بعد انتهاء علاقة عاطفية كنت أعلّق عليها كثيراً من الأحلام، جلست في شرفة منزلي مثقلاً بالخذلان، عاجزاً عن رؤية أي أفق مبهج، وبينما كنت غارقاً في أفكاري، سمعت ضحكة طفل تتسلل من الشارع، كانت ضحكة عفوية لا تعرف شيئاً عن الخسارات التي تثقل قلوب الكبار، لم تمحُ تلك الضحكة ألمي، لكنها خففت وطأته، وذكّرتني بأن الحياة ما زالت قادرة على أن تفاجئنا بلحظات صغيرة تفتح نافذة في جدار العتمة.
وهذه اللحظات هي أحد أسرار جمال الحياة، ابتسامة عابرة بين غريبين، رائحة المطر الأولى بعد صيف طويل، أغنية قديمة تعيد إلينا زمناً جميلاً، رسالة غير متوقعة من صديق قديم، أو طبق طعام تعدّه أمٌّ بحب لأبنائها، قد تبدو أشياء عادية، لكنها تمنح أيامنا دفئاً لا يُقاس بحجمها.
ولا يقتصر الجمال على العلاقات الإنسانية وحدها، فهناك جمال آخر نجده في المعرفة حين نكتشف فكرة جديدة، وفي الفن حين تهزنا قصيدة أو لوحة أو مقطوعة موسيقية، وفي الطبيعة حين نتأمل غروباً هادئاً أو سماءً مرصعة بالنجوم. وهناك متعة الإنجاز، حين نصل إلى هدف ظنناه بعيد المنال، فنشعر أن تعب الطريق لم يذهب سدى.
ثم تأتي الذكريات لتمنح الماضي حياة جديدة، فبعض اللحظات تستمر في مرافقتنا بصمت حتى بعد انقضائها، وتعود إلينا كلما احتجنا دفئها، وهكذا يصبح الماضي نفسه أحد مصادر القوة التي تعيننا على مواصلة الطريق.
ومن أقوى ما يربط الإنسان بالحياة قدرته على أن يكون سبباً في سعادة الآخرين، فالأب الذي يكدّ من أجل أسرته، والابنة التي ترعى والديها، والصديق الذي يقف إلى جانب صديقه في أوقات الشدة، جميعهم يجدون في العطاء معنى يجعل الحياة أعمق وأجمل.
ومع ذلك، تبقى في الحياة آلام لا تُحتمل وخسارات لا تُعوّض، هناك أشخاص رحلوا قبل أن ينالوا ما يستحقونه من عدل أو سعادة، وهناك من يعيشون ظروفاً قاسية لا تترك لهم مساحة واسعة لرؤية الجمال. والاعتراف بهذه الحقيقة يمنح حديثنا عن الحياة صدقاً وإنصافاً.
جمال الحياة يكمن في قدرتها المدهشة على أن تزرع وسط الألم بذوراً صغيرة من المعنى والأمل والدهشة، إنها لا تمنحنا السعادة على الدوام، لكنها تقدم لنا ما يجعل الاستمرار ممكناً.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: لماذا تبدو الحياة جميلة؟
ربما لأن الجمال يتشكل في العلاقة بين الإنسان وتجارب حياته، وربما لأننا، رغم كل ما نفقده، نظل قادرين على الحب والحلم والتعلم والعطاء، وربما لأن تلك الأم التي تخرج كل صباح لمواجهة يوم شاق، وذلك القلب المنكسر الذي تخفف عنه ضحكة طفل بعض ألمه، يقدمان الجواب الأبلغ: فالحياة، رغم كل ما تأخذه منا، لا تكف عن فتح نافذة جديدة في جدار العتمة.