ما تمر به سوريا من انحدارات اقتصادية متهاوية رغم عديد الوعود بالانتعاش المرتقب ما هو إلا نتاج سياساتٍ عامة لا ترقى لمستوى النهوض بالبلاد بعد سنوات الحرب، فالنظام الاقتصادي المركزي أحد أبرز السمات التي طبعت الاقتصاد السوري لعقود طويلة ولا زال هذا النظام قائماً، بل ويعاد تدويره على قدمٍ وساق، حيث تلعب السلطة دوراً رئيسياً في إدارة الموارد، وتوجيه الإنتاج، والتحكم بالاستثمارات والأسعار والتجارة الخارجية فالتحديات الداخلية التي واجهتها سوريا، كشفت عن محدودية الاقتصاد المركزي في تحقيق النمو المستدام وجذب الاستثمارات.
ومع دخول سوريا مرحلة البحث عن التعافي الاقتصادي المعلن؛ يبرز التساؤل حول مدى قدرة النظام المركزي على قيادة عملية الانتعاش الاقتصادي، وما إذا كانت المرحلة المقبلة تتطلب إصلاحات هيكلية تحدث فوارق واضحة على طريق التنمية والتعافي إلا أن ما يبدو واضحاً وجلياً على الساحة السورية، هيمنة العقلية السائدة إبان اقتصادات الحرب والاستناد عليها لإدارة اقتصاد الدولة وهو ما يبقي سوريا والسوريين يئنون تحت وطأة الفقر والعوز والجوع والبطالة والتضخم الذي يعصف بالبلاد.
الاقتصاد وإدارة الدولة
اعتمدت سوريا منذ ستينات القرن الماضي نموذجاً اقتصادياً يقوم على التخطيط المركزي، فتولت الحكومة إدارة قطاعات استراتيجية مثل النفط، والكهرباء، والمياه، والمصارف، والصناعة الثقيلة، إضافة إلى التحكم بالتجارة الخارجية وتحديد أسعار العديد من السلع والخدمات. وكان الهدف من هذا النموذج حسب ما كان يروج له النظام السابق في عهد حافظ وبشار الأسد تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق الاقتصادية، إلا أن الجهاز الحكومي وتغوله في مفاصل الاقتصاد الوطني عبر متنفذين وحيتان اقتصاد مقربين من السلطة أدى إلى زيادة البيروقراطية وضعف كفاءة المؤسسات العامة، الأمر الذي انعكس على الإنتاجية ومستويات الاستثمار.
فالمركزية ساهمت في توفير خدمات التعليم والصحة والدعم الحكومي في بعض القطاعات لكنها في المقابل حدّت من قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية وأبطأت عمليات اتخاذ القرار كما قللت من فرص المنافسة والابتكار، سيما وإن ذلك دفع المستثمرين لمواجهة إجراءات إدارية معقدة، الأمر الذي أدى إلى تراجع مساهمتهم في بناء الاقتصاد مقارنة باقتصادات أخرى في المنطقة.
ليس هناك اسم أو مصطلح واضح ومتفق عليه للطبقة المحدثة منذ عهد النظام السابق ففي أدبيات اليسار، التي كان يدعي النظام أنه ميال لها جرى توصيفها بالبورجوازية الطفيلية، أو البورجوازية البيروقراطية أو بحسب جمال باروت “البورجوازية المترسملة” من جراء حيازتها أجهزة الدولة وتغولها فيها. لكن؛ بغض النظر عن التسميات؛ فإن الجميع متفق على مصدر ثروتها الآتي من المال العام نفسه، ولعل السمة الأبرز لتلك الطبقة هو شكل مشروعها “التنموي” وطبيعته البعيدة كل البعد عن الإنتاج، والمتمثل في نظرتها إلى التجارة الخارجية قائدة للنمو، وهو ما نجده في مقولة هيثم جود “التجارة أولا، ثم السياحة، فهما نفط سوريا، ثم الصناعة وهو ما انعكس سلباً في مجمل الإنتاج السوري، وفي التشريعات المواكبة التي عززت رؤية تلك الطبقة وغلّبت مصالحها”.
سعت الطبقة المتنفذة في السلطة في عهد النظام السابق وإلى يومنا الحاضر، لتوحيد جهدها في شركات قابضة تحت غطاء الاستثمارات الواعدة، وفي مناخ اللبرلة الاقتصادي، ولم يكن اتحادها محض إعلان لتطويبها بوصفها صاحبة عربة القيادة في الاقتصاد السوري، وإنما كانت تطوي أيضاً، وبشكل كامل صفحة المال المشبوه وتمنحه الشرعية النهائية من خلال اندماجه بالمال التقليدي محلياً وخارجياً، وكانت مؤشراً واضحاً من الحكومة السورية المؤقتة على منحى توجهاتها المقبلة.
وكما مثّل رامي مخلوف دينامو تأسيس العديد من الشركات، ودفع شركات القطاع الخاص والمستثمرين فيه إلى التهيكل فيها، لإبعاد شبهة استئثاره أو استئثار حلقة ضيقة من عائلته بقطاع الأعمال، التي تقوم بعض الشخصيات بالاستراتيجية نفسها، وتؤسس لإمبراطوريات مالية تقوم على أنقاض الإمبراطوريات السابقة بأسماء مختلفة وفي بعض الأحيان يتم تدوير الأسماء ذاتها، كما حدث مع حمشو أحد أبرز حيتان النظام السابق مالياً على سبيل المثال.
اقتصاد الحرب وارتداداته
كرست الحرب السورية بتشعباتها المناطقية الكثير من أمراء الحرب الذين أثْروا من خلالها خصوصاً بعد الضغط على رؤوس الأموال السوريين، ودفعهم إلى هجرات متتالية بسبب الوضع السياسي والأمني، وانعدام البيئة المستقرة للاستثمار، رغم أن الطبقة الجديدة مع بداية انطلاقتها أعلنت أنها تسعى لتوسيع قاعدة الاستثمارات في سوريا، وجذب الاستثمارات الخليجية، والسورية المغتربة على حد سواء، إلا أن الاستثمارات بقيت محصورة ضمن إطار الولاءات للسلطة وفق ضمانات النفوذ الشخصي أكثر من كونها ضمانات محمية بالتشريعات القانونية.
فقبل توليها الحكومة المؤقتة الحالية التي اعتلت سدة الحكم على أنقاض النظام السابق، كرست الثقل الأساس لـ”جبهة النصرة” هيئة تحرير الشام في الشمال السوري، عندما كانت في إدلب وريفها، وبعض أرياف حلب وحماة المجاورة لها، واعتمد اقتصادها في المقام الأول على التمويل الخارجي، حيث استندت النصرة في اقتصادها على فرض الإتاوات الحمائية على الفاعليات الاقتصادية الموجودة تحت سيطرتها، إضافة إلى بعض الجبايات المرتبطة بالمعابر الحيوية وأهمها المعابر الحدودية التي تمثل السيطرة على قطاعي النقل والتهريب إضافة إلى موارد الجباية الخدمية.
ويمتاز اقتصاد إدلب والمناطق التابعة لها، بسمتين لم تتميز بهما المناطق الأخرى عدا مناطق النظام السابق، وهما الكثافة السكانية العالية للمحافظة بسبب النزوح إليها، والسمة الثانية هي قربها من تركيا ما يجعل اقتصادها مفتوحاً عليها وتابعاً لها في آن معاً فقد ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالعملة والمعامل والتجارة حينها ولا زال.
لم يتوقف اقتصاد النصرة عند إدارتها إدلب، وما حولها، والاستفادة من معابرها للتهريب من داخل مناطق النظام وإليها، وإنما تستفيد من خبرتها الطويلة التي اكتسبتها من التنظيم الأم، وهو تنظيم القاعدة” الإرهابي في إدارة الشأن المالي الخاص وتوظيف رساميلها حتى في المضاربات المالية وتصريف العملات في السوقين السورية والتركية ليشكل ذلك اقتصاد حرب يمكنها من البقاء والهيمنة والسيطرة.
لم تكن مناطق النظام أفضل حالا، ولا المناطق المحتلة من دولة الاحتلال التركي ومرتزقته؛ فاقتصاد الحرب كان السمة الأبرز لهذه المناطق، وحيتان المال تتوغل وتتغول على حساب الشعب السوري الذي يئن تحت وطأة الفقر والجوع والعوز دون أن يحظى بأي ملامسة لهمومه وآلامه. بينما المفارقة الحيوية كانت في مناطق شمال وشرق سوريا، الذي شكل إدارته الذاتية واعتمد على الاقتصاد التشاركي الكومونالي القائم على التشاركية والتعاونيات الصغيرة لتحقيق الاكتفاءات الذاتية في المناطق والقرى والبلدات والمدن، التي تدير نفسها بنظامٍ لا مركزي يعنى به تنظيم هذا القطاع الحيوي.
في العموم اشتركت اقتصادات المناطق السورية بعدم الثبات وخضوعها للمتغير اللحظي عسكرياً، حيث بات أمراء الحرب هم المهيمن الوحيد على القطاع الاقتصادي بعد سقوط النظام السابق وقبله دون الاهتمام بالطبقات الأدنى، التي رزحت تحت كاهل الفقر الشديد وباتت غير قادرة على تلبية متطلبات البقاء على قيد الحياة من دون مساعدة.
ناهيك عن أن هذا الواقع تفاقم مع انعدام الإنتاج وفرص العمل، وارتفاع نسب التضخم ارتفاعاً كبيراً اقترب من حاجز 900 في المئة وتتغير هذه النسبة صعوداً تبعاً للمتغيرات اللحظية التي تطرأ على الساحة السورية من إعلان لمشاريع وهمية وتوسع نطاق نفوذ حيتان المال المتغولين حتى النخاع في هيكلية الدولة التي قامت على أنقاض النظام السابق ومفاصله. حيث استمرت ظاهرة اقتصاد الظل القائم على شبكات التجارة المحلية، وهذه الشبكات عملت تحت الغطاءين الاقتصادي والأمني لتمرير الصفقات المطلوبة للنظام القائم والمسكوت عنها تحت عباءة التواصل النسبي والانفتاح، وعدم الانقطاع الجغرافي عن المحيط الإقليمي خصوصاً بعد أن عمدت الحكومة إلى إحكام قبضتها على المنافذ والطرق الدولية التي تمتاز سوريا بكونها عقدة وصل إقليمية، إلا أن المعضلة الأصعب، أن عقلية اقتصاد الحرب لا زالت المهيمنة على أداء الحكومة المؤقتة، وكأنما تدير اقتصاد سوريا بالآلية، التي أدارت بها اقتصادها في إدلب.
تحديات وآفاق
سوريا تمر بأكثر مراحلها تعقيداً فاليوم تعاني من تحديات اقتصادية متراكمة تشمل تراجع الإنتاج وارتفاع معدلات التضخم وضعف القدرة الشرائية، ونقص الاستثمارات إضافة إلى الأضرار، التي لحقت بالبنية التحتية والقطاع الصناعي والزراعي، وفي ظل هذه الظروف، يرى العديد من الخبراء أن استمرار الإدارة المركزية والعقلية الفصائلية والولائية لإدارة القطاع الاقتصادي، وبالآليات التقليدية قد يحد من سرعة التعافي، خاصة في ظل الحاجة إلى قرارات استثمارية مرنة واستجابة أسرع لمتطلبات السوق.
فلتحقيق الانتعاش يجب على سوريا توسيع دور القطاعات الاقتصادية وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتحسين بيئة الأعمال وتعزيز استقلالية المؤسسات الاقتصادية، وإقرار نظم قانونية واضحة وصريحة تضمن للمستثمر حقوقه، وتسن واجباته بما يسهم في زيادة الإنتاج وخلق فرص العمل، وجذب رؤوس الأموال.
فعندما تتم المطالبة بالانفتاح الاقتصادي وتوسيع دائرة اتخاذ القرار؛ فالقضية لا تتعلق بالاختيار بين المركزية أو اقتصاد السوق بصورة مطلقة، وإنما بإيجاد توازن يسمح لسوريا الاحتفاظ بدورها التنظيمي والرقابي والداعم لتوفير مساحة أوسع للمبادرات الاقتصادية والاستثمار.
كما إن إصلاح الإدارة الاقتصادية أحد أهم التحديات، التي تواجه سوريا خلال السنوات المقبلة، إذا أرادت فعلاً التعافي بخطوات عملية وليس بشعارات جوفاء، ويعتمد نجاح أي خطة للانتعاش على القدرة على تطوير التشريعات الاقتصادية، وتحسين بيئة الاستثمار وإعادة تأهيل البنية التحتية ودعم القطاعات الإنتاجية مع تعزيز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد العامة.
فالتعافي الاقتصادي المستدام يتطلب التنسيق بين السياسات المالية والنقدية والتنموية، بما يضمن تحقيق النمو الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة، وهذه الشروط لا يوفرها بشكل أو بآخر النظام المركزي لأنه أثبت فشله في التجربة الاقتصادية السورية. لذا؛ فمتطلبات مرحلة التعافي تفرض إعادة تقييم آليات إدارة الاقتصاد بما يتناسب مع المتغيرات المحلية والدولية وبين الحفاظ على الدور الاستراتيجي لسوريا، وتوسيع مساحة النشاط الاقتصادي للقطاعات المختلفة ويبقى الهدف الأساسي هو بناء اقتصاد أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق النمو والاستقرار وتحسين حياة المواطنين السوريين في المرتبة الأولى.