جل آغا/ أمل محمد –بينت عدة نساء مسنات من كركي لكي أن العديد من المسنات كسرن النمطية، التي كانت يُنظر بها إليهن، مشيرات إلى أن العمل يزيد من مكانة الفرد في المجتمع وأن الشخص يمكنه العطاء والإنتاج مدى الحياة.
رغم تجاعيد السنين التي ارتسمت على وجوههن، ما تزال العديد من النساء المسنات يثبتن أن العمر لا يمكن أن يكون عائقاً أمام العطاء والإبداع، بل قد يتحول إلى مصدر للحكمة والخبرة والإنتاج، ورغم التحديات التي ترافق التقدم في العمر، العديد من النساء المسنات يتمسكن بدورهن الفاعل في المجتمع من خلال المحافظة على المهن والحرف التقليدية، التي ورثنها عن الأجداد، وبينما ينظر البعض إلى الشيخوخة على أنها مرحلة للتوقف عن العمل، تؤكد نساء كثيرات أن العمر لم يكن يوماً عائقاً أمام العطاء والإنتاج ونقل الخبرات المتراكمة إلى الأجيال الجديدة.
نساء يرفضنَ الاستسلام
وفي هذا السياق؛ أشارت “جميلة حمي” خلال حديثها لصحيفتنا “روناهي” إلى أنها ما تزال تمارس صناعة المشغولات التراثية من الصوف، إلى جانب النقش على الأقمشة وإعداد العديد من الأعمال اليدوية، التي تعكس الموروث الثقافي للمنطقة، وأوضحت أن هذه الحرف رافقتها منذ سنوات طويلة، حيث تعلمتها من عائلتها وأجدادها، وأصبحت جزءًا أساسياً من حياتها اليومية.
وبينت أن العمل اليدوي يمنحها شعوراً بالراحة والسعادة، ويساعدها على الاستمرار في الحياة بنشاط وإرادة قوية، مؤكدة أن تجاعيد الوجه وتعب اليدين الناتجين عن التقدم في العمر لم يمنعاها من مواصلة ما تحب.
ونوهت إلى: “إن الحفاظ على التراث مسؤولية تقع على عاتق الجميع، أحرص على تعليم ما أعرفه للجيل الشاب كي لا تندثر هذه الحرف مع مرور الزمن”.
ومن وجهة نظر جميلة تُجسد بعض النساء المسنات نموذجاً مغايراً للصورة النمطية التي تحصر كبار السن في دائرة الركود وعدم الإنتاج، إذ يواصلن ممارسة أعمالهن وهواياتهن بشغف وإصرار.
وتؤكد أنها ما تزال حتى اليوم تمارس الحياكة وخياطة الملابس لأحفادها، مستندةً إلى خبرة طويلة اكتسبتها على مدار عقود من الزمن: “هذه الموهبة رافقتني منذ سنوات شبابي، وإن علاقتي بالإبرة والخيط حب متجذر في حياتي”.
ولفتت إلى أن الإنسان يستطيع مواجهة تحديات العمر بالإرادة والعمل، مشيرةً إلى أن الموروث الشعبي هوية وثقافة يجب الحفاظ عليها ونقلها للأبناء والأحفاد، كما دعت النساء إلى التمسك بمهاراتهن وخبراتهن وعدم الاستسلام لفكرة أن العمر المتقدم يعني نهاية العطاء.
الحكمة والعطاء سلاحان في مواجهة الزمن
ومن جانبها؛ أوضحت “ميسرة عمر” تجاوزت “الخامسة والسبعين” من عمرها أنها ما تزال تعمل في صناعة الجبن البلدي والسمنة البلدية، وهي مهنة اكتسبتها منذ سنوات طويلة وأصبحت جزءًا من حياتها اليومية.
وأشارت إلى أن كثيراً من أبناء المنطقة يقصدونها للاستفادة من خبرتها والتعرف إلى الطرق التقليدية في إعداد هذه المنتجات التي تشتهر بجودتها وطعمها المميز.
وأكدت أن التقدم في السن لم يضعف رغبتها في العمل أو خدمة مجتمعها، بل منحها مزيداً من الخبرة والحكمة في التعامل مع مختلف الظروف، كما بينت أن السنوات الطويلة التي عاشتها علمتها الصبر والاجتهاد والاعتماد على النفس، وهي قيم تحاول نقلها إلى الأجيال الجديدة من خلال نصائحها وتجاربها اليومية.
وترى ميسرة أن كبار السن يمتلكون رصيداً كبيراً من المعرفة والخبرة المتراكمة، الأمر الذي يجعلهم قادرين على تقديم الكثير لمجتمعاتهم رغم تقدمهم في العمر.
وتجسد كل من “جميلة حمي وميسرة عمر” نموذجاً لنساء اخترنَ مواجهة الزمن بالعمل والمعرفة والإصرار، مؤكدتين أن العمر ليس سوى رقم، وأن قيمة الإنسان تقاس بما يقدمه من خبرة وعطاء وإسهام في الحفاظ على التراث ونقله إلى الأجيال القادمة، وتعكس تجربتهما صورة مشرقة للمرأة المسنة، التي ترفض الاستسلام لفكرة التقاعد عن الحياة، حيث أن العمل المتواصل يشكل نموذجاً حياً للحفاظ على الموروث الثقافي والاجتماعي ونقله إلى الأجيال القادمة، بما يسهم في صون الهوية وتعزيز قيم العطاء والاستمرارية.